الصفحة 22 من 406

فالسماع"طريقٌ مهم اعتمد عليه اللغويون والنحاة القدامى -من البصريين والكوفيين- وجعلوه اساسًا استندوا إليه في تقعيد القواعد" [1] .

الاستشهاد بالشعر

لقد تجنى النحاة كثيرًا على الشعر؛ حينما جعلوا له لُغةً خاصة يقتصر عليها، تُميّزه عن النثر، فهو عرضة للضرائر والعلل، بسبب ما يقتضيه وزنه وقافيته؛ ولذلك أجازوا للشعراء مالم يجوّزوه لغيرهم، وكأنَّ شأن الشعر هو الخروج عن الكلام العربي وما يتطلبه من ضوابط واحكام، فقط من دون أن يكون ممثلًا لكلام العرب وسُننها في القول.

فقال الخليل (ت 175هـ) :"الشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنّى شاؤوا ويجوز لهم ما لايجوز لغيرهم من إطلاق المعنى وتقييده ومن تصريف اللفظ وتعقيده ومدِّ المقصور وقصر الممدود والجمع بين لغاته والتفريق بين صفاته واستخراج ما كلّتْ الألسنُ عن وصفه ونعته والأذهان عن فهمه وإيضاحه، فيقرِّبون البعيدَ ويبعّدون القريب ويحتجّ بهم ولايحتجَّ عليهم [2] ."

وقال سيبويه (ت:180هـ) :"اعلمْ أنَّه يجوز في الشعر ما لايجوز في الكلام" [3] ثم قال:"ما يجوز في الشعر أكثر من أنْ أذكره لك ها هنا، لأنَّه موضع جمل" [4] .

والى هذا ذهب أغلب النحاة القدماء، وتابعهم فيه المتأخرون أيضًا، فقال ابن عصفور (ت:669هـ) :"اعلمُ أنَّ الشعر لمَّا كان كلامًا موزونًا تُخرجه الزيادة فيه والنقص منه عن صحة الوزن ويحيله عن طريق الشعر، أجازت العرب فيه ما لايجوز في الكلام، اضطروا الى ذلك أمْ لم يضطروا اليه، لأنه موضعٌ أُلقتْ فيه الضرائر" [5] .

وقد وقف قسم من القدماء موقفًا متشددًا تجاه الشعر، فجعلوا تلك الضرائر أخطاءً عابوها على الشعراء ودعوا الى منعهم من ارتكابها تحت ذريعة الضرورة. منهم قدامة بن

(1) القياس النحوي بين مدرستي البصرة والكوفة: 11.

(2) منهاج البلغاء وسراج الادباء لحازم القرطاجني: 143 - 144.

(3) كتاب سيبويه: 1/ 26.

(4) السابق: 1/ 32.

(5) الضرائر لابن عصفور: 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت