فالمعنى فيه: انه لم يذق أحدٌ -فيما مضى من حياته- بؤس الحياة ونعيمها إذا لم يكن قد عَشيق، وهذا المعنى ليس فقط في الماضي، وإنما يكون كذلك في المستقبل أيضًا، فمن لم يعشق في المستقبل لم يذق البؤس والنعيم ايضًا.
عدم اتفاق فعل الشرط وفعل الجواب في الصيغة وفي المعنى
إنَّ ادوات الشرط الجازمة تُخلص الزمن في فعل الشرط، وفي فعل جوابه الى المستقبل المحض، سواءٌ أكان هذان الفعلان بصيغة المضارع أم بصيغة الماضي أم كان أحدهما مضارعًا والآخر ماضيًا، وسواءُ أكان ذلك في الصيغة فقط دون المعنى ام في المعنى دون الصيغة ام في الصيغة والمعنى معًا.
فقد يكون فعل الشرط في صيغة الماضي، وجواب الشرط في صيغة المضارع، فمن هذا قول زهير بن ابي سلمى [1] :
ومن هابَ أسباب المنايا نَيلْنَه ولو نالَ أسباب السّماءِ بسُلّم
ففعل الشرط (هابَ) جاء بصيغة الماضي ولكنه في المعنى يدلَّ على الاستقبال بسبب اداة الجزم.
وقد يجيء العكس، فيكون فعل الشرط مضارعًا، وجوابهُ ماضيًا، وذلك كقول قعنب بن أُم صاحب [2] :
إن يَسْمعوا سُبَّة طاروا بها فَرحًَا مني وما يَسمَعُوا من صالحَ دَفَنُوا
وقد يكونان مضارعين، من هذا قوله تعالى:"إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاءِ آيَةً" (الشعراء/4) ، او يكونان ماضيين، فمنه قوله تعالى:"تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ" (الفرقان/10) .
وقد فاضَلَ الفرّاء بين هذين الاساليب في القول جميعًا، ففضلَّ اتفاقهما معًا في الصيغة؛ فقال:"وَأَحْسن الكلام أن تجعَل جواب (يفعل) بمثلها؛ و (فعل) بمثلها؛ كقولك:"
(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 6، وظ: لسان العرب (سبب) وتاج العروس (سبب) .
(2) معاني القرآن للفرّاء:2/ 276، وظ: الصحاح للجواهري:3/ 1309 واللسان (هيع) ، وتاج العروس (هيع) .