واستشهد الفرّاء على ذلك بقول الحارث بن ظالم [1] :
فلستُ مقاتلًا أبدًا قُريشا مُصيبا رَغمُ ذلك مَنْ أصابا
فـ (مَنْ) هنا في محل نصب مفعول به لـ (مصيبًا) ، والفعل بعدها (أصابا) في موضع رفع وجعل الفرّاء من هذا أيضًا قوله تعالى:"وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا" (آل عمران/ 97) ، إلا أنه أجاز في هذه الآية أن تكون (من) اداة جزم إذ استُأنفِ الكلام بها، فقال: (إن جعلت(مَنْ) مردودة على خفض (الناس) فهو من هذا، و (استطاع) في موضع رفع، وإن نويت الاستئناف بمَنْ كانت جزاء، وكان الفعل بعدها جزما، واكتفيت بما جاء قبله من جوابه. وكذلك تقول في الكلام: أيهُم يقم فاضرب، فإن قدّمْت الضرب فأوقعته على أيّ قلت اضرب أيَّهم يقوم" [2] ."
وكذلك الحال في (ما) الشرطية أيضًا، فاستشهد الفرّاء عليها بقول الطرماح بن حكيم الطائي [3] :
فإني لآتيكم تشكُّرَ ما مضى ... من الأمر واستيجابَ ما كان في غدِ
فـ (ما) في مَحِل جر مضاف اليه لـ (استيجاب) ، فقال الفرّاء:"لأنه لايجوز لو لم يكن جزاء أن تقول: كان في غد؛ لأن (كان) إنما خُلقَتْ للماضي إلا في الجزاء فإنها تصلح للمستقبل. كأنه قال: استيجاب أيّ شيء كان في غدِ" [4] .
فدلالة (كان) مع الجزاء تكون للمستقبل، وكذلك تكون دلالة الفعل المضارع المجزوم بـ (لم) ، والمسبوق بـ (إذا) ، فإن (لم) تجعل زمن الفعل المضارع ماضيًا، فإذا سبقت باحدى ادوات الشرط، اصبح معناه مستقبلًا، واستشهد الفرّاء على هذا بقول الكميت [5] :
ما ذاقَ بُؤسَ معيشةٍ ونعيمها فيما مَضَى أَحدٌ إذا لم يَعْشقِ
(1) السابق:: 1/ 179.
(2) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 180.
(3) السابق: 1/ 180، 244، وظ: لسان العرب (شكر) و (كهن) وتاج العروس (كنن) .
(4) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 180 و 244.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 244.