فهرس الكتاب
وجعل أبُو الحسن الأخفش هذا الشاهد نظير قوله تعالى:"قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ" (يوسف/77) فالسرقة وقعت عندهم في الماضي، فانتفاء الولادة أمر ماض، وقد جعل جزاء، والجزاء لايكون الا في المستقبل، وقدّر المعنى فيه: إن ننتسب لاتجدني مولود لئيمة، ووافقه في هذا ابو علي الفارسي أيضًا [1] . وكل ذلك راجع الى ان المعنى قد فهمه السامع [2] .
وعدَّ ابن هشام هذا، كقوله تعالى:"إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ" (المائدة/116) فالمعنى فيه. ان يتبين إني كنت قلته، فهذا في فعل الشرط وهو نظير فعل الجواب في بيت زائد بن صعصعة، ولكنه لم يجوز هذا إلا على التأويل [3] .
ولنا في هذا وجة آخر يُريحنا من تأويلات النحاة ومنعهم أو إجازتهم له، وهو أن يكون معنى فعل الجواب وزمنه متعلقين بفعل الشرط وزمنه مع دخول أداة الشرط عليهما وهذا يقتضي أن يكون فعل الشرط هو الأسبق في تحقيق وقوعه وزمنه، ثم بعد ذلك يأتي تحقق وقوع فعل الجواب وزمنه، ففعل الجواب يكون تابعًا لفعل الشرط، والمتبوع يسبق التابع، وعلى هذا يكون معنى (لم تلدني لئيمة) ، قد تحقق وقوعه وزمنه بعد تحقق الانتساب وزمنه، فمتى عُرِف ان أمّه لست لئيمة؟ ولم يولد هو من تلك اللئيمة؟ عُرف هذا بعدما تحقق معنى الفعل (انتسبنا) فهم قد أخذوا بالتفاخر بالنسب وذكر الأُمهات والأباء والأجداد، ثم بعد ذلك توصلا الى هذه النتيجة، والذي يؤكد هذا المعنى، أنه لا أحد يعرف معرفةً حقيقية كاملة، من هو أبُ فلان أو أُم فلان أو نسب فلان وعشيرته؟ إلا بعد أن يُفصح المرءُ عن ذكر آبائه واجداده وأمه ولمن ينتسب، فيعرف نسبه، ويُعلم بعد هذا انه من نسب شريف أو غيره.
(1) ظ: زاد المسير: 2/ 276.
(2) ظ: تفسير الطبري: 1/ 328.
(3) ظ: شرح شذور الذهب: 44، ومغني اللبيب: 1/ 64.