الصفحة 313 من 406

وهذا ينطبق على جميع الآيات الكريمات التي تقدم ذكرهن، فمعنى (فقد علمته) في الاية الكريمة، يكون متعلقًا وتابعًا لمعنى فعْل الشرط وزمنه وهو (ان كنت قلته) ، فإن ثَبُتَ انه قال ذلك، فإن الله عزّ وجل يكون قد علم ذلك منه دون أن يسأله عنه أقلته ام لا؟ وهذا لا يتعلق بالماضي، بل ينطبق على جميع الازمنة في الماضي والحاضر والمستقبل، فمتى تكلم احدٌ أو قال قولًا؟ علم الله ذلك منه؛ لانه محال أن يقول الانسان قولًا ما ولا يعلمه الله في وقت القول، إلا ان يعلن الانسان عنه؛ فهذا شرك بالله تعالى أبعدنا الله عنه، ولذلك جاء فعل الجواب متحققًا ومؤكدًا، فسبق بـ (قد) التي تفيد تأكيد تحقق معنى الفعل وهذا الامر ينطبق على جميع الآيات الكريمة السابقات أيضًا.

ترك جواب الشرط لدلالة غيره عليه

قد يحذف جواب الشرط؛ وذلك لدلالة المقام أو السياق عليه، كما يحذف جواب الاستفهام والأمر وغيرهما، فمما حذف فيه جواب الاستفهام قوله تعالى:"أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ" (هود/17) ، فقال الفرّاء:"ولم يأت لقوله: (أفمن كان ... ) جوابٌ بيّن" [1] . وقد تترك العرب جزءًا من جواب الاستفهام لمعرفته، من هذا قول ابي ذؤيب الهذلي [2] :

عصيت إليها القلب إني لأمرها سميعٌ فما أدري أرْشد طلابُها؟

فقد ترك الشاعر بعض جواب الاستفهام في قوله: (فما أدري أرشُد طلابها ... ؟) فلم يذكر الجواب كاملًا لانه معروف لدى السامع، وكأنه قال: أرشدٌ ... ام غيّ؟.

ومن هذا أيضًا قول الشاعر [3] :

أراك فلا أدري أهمٌّ هممته وذو الهمِّ قدِمًا خاشعٌ متضائلُ

(1) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 6.

(2) السابق: 1/ 230، ظ: ديوان الهندليين: 1/ 72، وفيه (عصاني اليها القلب) .

(3) معاني القرآن للفرّاء: 1/ 231، ولم يُنسب الى قائله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت