التعجب والتفضيل من الألوان والعاهات
منع البصريون التعجب القياسي من الالوان جميعها [1] ، وكذلك اسم التفضيل؛ لأن أفعالها قد تكون غير ثلاثيّة نحو: احمرَّ اصفرّ واخضرَّ وما أشبهها، وكذلك لان الالوان تكون مستقرة في الشخص فلا تزول عنه فاصبحت كأعضائه، فلا يجوز مجيء التعجب واسم التفضيل منها. وذهب الكوفيون الى جواز هذا في البياض والسواد من الألوان فقط [2] ، وقد وافق الفرّاء ماذهب اليه البصريون فقال:"والعرب إذا قالوا: هو أفعل منك قالوه في كل فاعل وفَعِيل، وما لايزاد في فعله شيء على ثلاثة أحرف فإذا كان على فَعْللت مثل زخرفت، أو أفعلَلت مثل احمررت واصفررت لم يَقولوا: هو أفعل منك؛ إلا أن يقولوا: هو أشدّ حمرة منكَ، وأشدّ زخرفة منك" [3] ، وخرّج قوله تعالى:"وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا" (الاسراء/ 72) على أنه (لم يُرد به عَمى العين، إنما أراد به -والله اعلم- عَمَى القلبِ. فيقال: فلان أعمى من فلان في القلب ولاتقل: هو أعمى منه في العين. فذلك أنه لمَّا جاء على مذهب أحمر وحمراء تُرك فيه أفعل منك كما ترك في كثيره. وقد تَلْقى بعض النحويين يقول: أُجيزه في الأعمى والأعمش والأعرج والأزرق، لأنّا قد نقول: عَمِى وزَرِق وعَرِج وعَشِى ولا نقول: صَفِرَ ولا حَمِرَ ولا بَيِض. وليس ذلك بشيء، إنما يُنظر في هذا إلى ماكان لصاحبه فيه فعِل يقلّ أو يكثر، فيكون دليلًا على قِلّة الشيء وكثرته؛ ألا ترى أنك قد تقول: فلان أقوْمَ من فلان وأجمل؛ لأنّ قيام ذا وحَمَاله قد يزيد على قيام الآخر وجماله، ولاتقول لأعميين: هذا أعمى من هذا، ولا لميّتين: هذا أموت من هذا" [4] ، أي أن علة الفرّاء في المنع من الألوان هو أن افعالها ليست ثلاثية وأن لها صيغةً أخرى قد اغنت عن اشتقاق اسم التفضيل منها، هي صيغة(أفعل فعلاء) كاحمر حمراء، وعلة المنع في العاهات عنده، هو أن افعالها لايوجد بينها تفاوت في المعنى، واساس التفضيل قائم على تفاوت المعنى في القلة والكثرة والتمام والنقص. إلا أنه ذكر أن أحدهم نقل له قول العرب: ما أسود شَعره، وكذلك نُقل له قول طَرَفة [5] :"
(1) ظ: كتاب سيبويه: 4/ 97.
(2) ظ: الانصاف: 1/ 148 - 155، والذين أجازوه هم الكسائي وهشام الضرير، وتابعهم الاخفش من البصريين، ظ: الإرتشاف: 3/ 45، وهمع الهوامع: 2/ 166.
(3) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 127.
(4) السابق: 2/ 128.
(5) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 128، وظ: ديوانه: 15، والرواية فيه:
إن قلت نصر فنصر كان شرفني ... قدمًا وابيضهم سربال طباخ، وفي الانصاف: 1/ 149، واللسان (بيض) :
إذا الرجال شتوا واشتدَّ أكلهم ... فأنت أبيضهم سربال طباخ، وكذلك في مجمع الامثال: 1/ 81.