الصفحة 340 من 406

أمّا الملوكُ فأنت اليَوْمَ ألأْمُهم لُؤمًا وأبيضُهم سِرْبالَ طِبَّاخ [1]

فجاء الشاعر باسم التفضيل من اللون وهو قوله (أبيضهم) ، ونقل النحّاس حكاية الفرّاء عن بعض النحويين: ما أعماه وما أعشاه [2] . وكذلك روي: ما أعوره [3] ، وجعله الكسائي وهشام الضرير قياسًا، وحملوا عليه مجيء (أفعل) التفضيل من لوني البياض والسواد؛ لأنهما أصلا الألوان [4] . وخصَّ البصريون هذا بالضرورة فقط [5] .

والحق أن العلَلَ التي ذكرها البصريون والفرّاء، هي عللٌ منطقية لا تكاد تنسجم مع الواقع اللغوي؛ لأن ما منعوه، قد ورد في كلام العرب نثره ومنظومه بل حَسْبُنا في هذا كتاب الله سبحانه وتعالى إذ جاء فيه (أفعل التفضيل) من العاهات سواءٌ أكان معنى (أعمى) للعين أم للقلب فكلاهما مرض وعاهة.

وبعد هذا، فلستُ أوافق البصريين والفرّاء فيما ذهبوا اليه، وأرى أن ما ذهب اليه الكوفيون أقرب الى الصواب لأنه يوافق الاستعمال اللغوي عند العرب، بل إني لأزيد عما قاله الكوفيون، فادعو الى جواز مجيء اسم التفضيل من جميع الألوان وليس الابيض والاسود فقط -كما نادى بذلك الأستاذ عباس حسن- [6] ؛ وذلك لأننا حين نقول: هذا أحمرُ من هذا، وتلك أخضرُ من هذه، ففي هذه الامثلة دلالة واضحة على التفضيل وليس فيها ما يدلُّ على الثبوت وعدم التغيّر، ولا عبرة لنا نبوع افعالها واصولها لأنها من وضع النحاة، فنحن بحاجة الى التعجب والتفضيل من هذه الألوان؛ لأن ما كشفه العلم الحديث يدلُّ على التفاوت الواسع والاختلاف الكبير بين درجات الألوان وكذلك الحال في العاهات.

ولذلك كله فضلَّ المجمع اللغوي رأي الكوفيين، وبه أخذَ؛ لانه الأقرب الى السداد واليسر [7] .

(1) السربال: الثوب، والمعنى انه كنى عن بخل الملك ببياض ثيابه، لانه لو كان كريما لاسوّد سرباله من كثرة الطبخ.

(2) ظ: إعراب القرآن: 2/ 253.

(3) ظ: البيان في غريب إعراب القرآن لابي البركات الأنباري: 2/ 94.

(4) ظ: الإنصاف: 1/ 150 - 151، والهمع: 2/ 166، والمدارس النحوية للدكتور شوقي ضيف: 189.

(5) ظ: الانصاف: 1/ 151 - 152، وشرح الجمل: 1/ 578، والمقرب: 78.

(6) ظ: النحو الوافي: 3/ 351، 398.

(7) ظ: كتاب المجمع اللغوي (كتاب في اصول اللغة) ، سنة 1969: 121.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت