ويرى أحد الباحثين أن الكوفيين يرون ان الضمير العائد لهن في الخبر لايكون إلا مثنى [1] . وفي هذا نظر، لأن الفرّاء قد استشهد للحالتين في قوله تعالى:
"وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا" (مريم/ 95) فاعاد الضمير مفردًا وقوله تعالى:"وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ" (النحل/ 87) فأعاد الضمير دالًا على الجمع [2] .
أو ربما يكون الفرّاء قد نظر الى (كلا وكلتا) بحسب ما تضافان اليه فهما لايضافان إلا الى المثنى سواء كان اسمًا ظاهرًا أو ضميرًا متصلًا، فقال في قول الشاعر:
في كلتِ رجليها سُلاَمى واحده ... كلتاهما مقرونة بزائده [3]
"وقد تفرد العرب إحدى كلتا وهم يذهبون بافرادها الى اثنيتها" [4]
واعترض ابن الوّراق (ت 381هـ) على ذلك، بأنَّ (كلا) لو كانت مثنى لوجب أن تنقلب ألفه في الجر ياءً مع الاسم المظهر، ولكنها لم تنقلب فاستدلَّ على أنها ليست للتثنية، وإنما حذف الشاعر الألف من (كلتا) للضرورة [5] .
وإذا كانت الألف والياء هما علامتي التثنية في العربيّة، فلا ضيْر من الأخذ برأي الكوفيين عامة والفرّاء خاصة مادامت دلالة التثنية في هاتين اللفظتين جارية على الأصل اللغوي، فضلًا عن بعده عن التأويل.
وقد أجاز الفرّاء (أن تقول للإثنتين: كلاهما وكلتاهما) [6] مستشهدًا بقول الشاعر [7] :
كلا عقبيه قد تشعَّبَ رَأسُهَا من الضرب في جَنْبَيْ ثَفالٍ مباشر [8]
وعلة ذلك عنده أن العربَ يذكِّرون في كلامهم والمعنى الذي يريدونه التأنيث ومن ذلك قوله تعالى:"وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ" (لقمان/34) وكذلك قوله تعالى:
(1) ظ: الشاهد الشعري الشاذ في كتب النحو حتى نهاية القرن الخامس الهجري: 30.
(2) ظ: معاني القرآن للفرّاء: 2/ 142.
(3) لم يُنسب الى قائله، ظ: الانصاف: 2/ 439، وسرار العربية: 113، وشرح جمل الزجاجي: 1/ 276، خزانه الأدب: 1/ 129.
(4) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 142.
(5) ظ: علل النحو لأبن الوّراق: 252.
(6) معاني القرآن للفرّاء: 2/ 143.
(7) السابق: 2/ 143، ولم يُنسب الى قائله.
(8) الثقال: البعير البطيء الثقيل، ظ: لسان العرب (ثقل) .