فهرس الكتاب
إن المبرد مع ما تظاهر به من أنه حصيف النظر يُعنى بالتتبع والترتيب وهو لذلك يصيب خطأ هنا وخطأ هناك؛ إلاّ أنه لم يكن صاحب نظرة دقيقة وإن كانت قراءته لكتاب سيبويه قراءة متكرره؛ إذ أنبأت بعض ردوده عن نظرة عجلى لكثير مما ورد في الكتاب من مسائل وآراء وحجج ونحوها، فكثيرًا ما بنى ردوده على فهم خاطئ وتفسير غير صائب، وكان إبن ولاّد كثير التنبيه على ذلك كتعليقه على ردّ المبرِّد في المسألة (23) وقد قال فيها: (( فلو فسّر لنا محمد [بن يزيد المبرِّد] معنى قول سيبويه ... لاستغنى عن ذكر العلّة التي أتى بها ) ) [1] .
وكان في بعضٍ من أحكامه الأخرى واضح التجنّي على سيبويه، يتعمّد فيها التمويه والتضليل. قال في قول سيبويه فيما نقله عن يونس في باب (ما جرى من الأسماء التي تكون صفة مجرى الأسماء التي لا تكون صفة) : (( وزعم يونس أن ناسًا من العرب يجرّون مررتُ برجلٍ خزٍّ صفّته ) ) [2] ، فعلّق المبرِّد على كلامه هذا بقوله: (( ورواه سيبويه على القبول، وهذا غلط ) ) [3] . فردّ ابن ولاّد عليه حكمه قائلًا: (( فليت شعري في أي شي ءٍ غلط؟ أفي تركه تكذيب يونس في الرواية أم في تركه محاجّة العرب إذا صدق يونس في روايته ) ) [4] . لكن المبرِّد لا يقف عند ذلك؛ ففضلًا عن تجنيه على صاحب الكتاب فإنه كان يسمه بعبارات لاذعة، وقد قال فيه أقوالًا لا يصحّ أن تصدر عن مثله، من ذلك قوله في بعض أخطائه: (( هذا لعبٌ من قول النحويين ) ) [5] . وكان في مواضع أخرى يصف أخطاءه بـ (القبيح) [6] ، و (الرداءة) [7] ، و (الفحش) [8] ، أو أن يصطنع المواقف ليزري بها على سيبويه، من ذلك قوله في بعض أبواب الكتاب: (( وقد ذكر أشياء كثيرة نحو هذا تركنا ذكرها لاستغنائنا ببعضٍ عن بعض ) ) [9] . كيف وقد نسب إليه أخطاءً لم تصدرعنه!؟ أيترك ما أخطاٌ فيه فعلًا؟.
ومع ذلك فالنصفة تقضي بأن نشير إلى أحكامه الأخرى، وقد هُدي إلى تعيين الخطأ فيها، وأقام الحجّة الواضحة عليها، فالمبرِّد فضلًا عن احتجاجه بأصول النحو، كالسماع [10] وما كان منه
(1) الانتصار: 121.
(2) المصدر نفسه: 122، وينظر ردّ ابن ولاّد وتعليقه - على سبيل المثال - على حكم المبرد في المسائل: 7، 10، 11، 17، 19، 25، 28، 52، 53، 54، 59، 86.
(3) الانتصار: 125.
(4) ينظر: المصدر نفسه: 140.
(5) ينظر: المصدر نفسه: 43.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 151، 207.
(7) الانتصار: 161.
(8) تنظر الصفحات- على سبيل المثال: 48،70،82،120،123،142.
(9) تنظر الصفحات - على سبيل المثال: 105، 123، 141، 148، 161.
(10) تنظر الصفحات - على سبيل المثال: 56، 48.