فهرس الكتاب
الثاني: كثرة الاحتجاج بأقواله، فهو وإن استشهد بعلماء آخرين غير سيبويه، كأبي علي الفارسي [1] ، والسيرافي [2] ، وابن السرّاج [3] ، إلا أنه أبدى عنايةً واضحةً بأقوال سيبويه وآرائه، فقد إحتج بقول سيبويه فيما يقرب من (30) موضعًا أو يزيد [4] .
لم يكن إبن السِّيْد في تقليده للعلماء وامتثاله لآرائهم ليسلّم لكل أقوالهم، فقد كان في مواضع أخرى صاحب رأي جديد، فابن السِّيْد بصريٌّ على طريقة أهل الأندلس، تعاهد نحوه شيئًا من الآراء المتحررة، فمع تسليمه للبصريين في أغلب المسائل الخلافية التي وقعت بين المذهبين والتي سبق عرضها في مسائل الكتاب، إلا أنه كان لا يتردد عن موافقة مخالفيهم من الكوفيين [5] ، وكان في مواضع أخرى يقف موقف الضدّ من قول الفريقين، قال في باب (ما يُجزم من الجوابات) [6] : (( وفي جواب النهي خلاف. فسيبويه لا يجيز الجزم فيه فمنع أن يُقال:(لا تدن' من الأسد يأكلْكَ. لانه يصير التقدير: إن لا تدنُ منه يأكلْك، فجعل تباعده منه سببًا لأكله [7] . وروي عن الكسائي أنه كان يجيزه ويقدره: إن تدنُ منه يأكلْكَ من غير ذكر حرف النهي، وفي القولين جميعًا نظر ) ) [8] . وإن متابعة هذا الرأي أو ذاك القول مشروط بصحته، ومتى اعتقد ذلك لم يتأخر عن القول به، وقد قال: (( واعلم أن إتباع الناس على آرائهم ليس بواجب و لا فرض ولا سيّما بمن ينزه نفسه عن أن يكون من أهل التقليد ) ) [9] ، فإذا عرض له ما يوجب النظر فيه، نظر فيه، وقال بثقة: (( هو عندنا صحيح لا ننازعهم فيه ) ) [10] .
كرّس ابن السِّيْد جانبًا من ثقافته المنطقية واللغوية في ردوده على مسائل (الجمل) ، فكان يبدي قدرةً في الوقوف على وجهي الشاهد، وجه اللغة ووجه النحو [11] ، فهو يعتمد على خبرة
واسعة من النقد والتحقيق، فضلًا عن أنه يعرف لغة أخرى غير العربية، نظر فيها واطّلع على نحوها، قال عن فعل (الحال) : (( إن له صيغة في غير اللسان العربي ) ) [12] ، وإنه مطّلع على فلسفة العجم [13] . وقد طغى أثر هذين الرافدين الثقافيّين: رافد اللغة، ورافد الفلسفة والمنطق على جوابات ابن السِّيْد، فغلب على مناقشاته ولعه الشديد في الاتساع بالكلام [14] والتقسيم [15] والتفريق [16] والحدّ [17] والتمثيل [18] والتعليق على كل شيء بشرطه [19] .
ومن وجوه استطراد ابن السِّيْد في جواباته أنه كان يبدي حرصًا على إيراد الرأي وما يخالفه [20] ، فيجد في ذلك تسويغًا للمشاركة والإدلاء برأيه الخاص بعد مناقشته الآراء وتفنيدها أو تأييدها، فهو يستحضر حجج خصومه، ثم يعود لينقضها بانيًا عليها رأيه الخاص، وكان في أثناء ذلك يشغف بايراد أمثلةٍ لمناظراتٍ وقعت بين العلماء [21] ؛ أو قد يفترض حوارًا جدليًا مع نفسه فيطرح أسئلةً ثم يجيب عنها على طريقة أهل الجدل والنظر [22] ، ومما دعاه إلى الاستطراد في أجوبته أنه كان يغاير بينها وينوّع فيها، فقد تقوم حجّته على أكثر من دليل، ولا سيما أنه كان يجيب على بعض الأسئلة بجوابات متعددة، من وجهين [23] ، أو من ثلاثة وجوه [24] ، فضلًا عن أن يحتج للمسألة الواحدة بأكثر من حجّة [25] . وقد أتخم الكتاب بجوابات طويلة، طالما شعر بها فاعتذر عنها بعد أن يمضي نصّ الجواب [26] .
احتجّ ابن السِّيْد بالحجج النقلية والعقلية، ومن حججه النقلية احتجاجه بلغة القرآن الكريم [27] ،
والقراءات القرآنية [28] ، إلى جانب إحتجاجه بالحديث النبوي الشريف في مواضع عديدة [29] ، كما احتج بالشعر الجاهلي والإسلامي [30] ؛ وهو من أكثر شواهده، وكان يورد بعض الأبيات لشعراء
(1) ينظر: المصدر نفسه: 147،170،195،206،207،344.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 25،65،66،71،75،84،93،105،127،167،193،194،202،205،206،207،211،219، 223،225، 228، 251،257،260،265،277،280،334،360.
(3) ينظر: المصدر نفسه: 363 - 379.
(4) ينظر: المصدر نفسه: 273.
(5) ينظر: كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 451.
(6) الحلل في إصلاح الخلل: 273، ومن آرائه الجديدة اعتراضه على رأي الزجاجي في الإخبار عن المبتدأ، ينظر: 48 - 49.
(7) الانتصار ممن عدل عن الاستبصار: 46.
(8) الحلل في إصلاح الخلل: 212.
(9) ينظر: المصدر نفسه ـ على سبيل المثال ـ:194.
(10) الحلل في إصلاح الخلل: 94.
(11) ينظر: المصدر نفسه: 88، 89.
(12) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال -: 97 - 99،80 - 87، 134 - 144، 233 - 238، 342 - 353، 67 - 69، 59 - 66.
(13) ينظر: المصدر نفسه ـ على سبيل المثال ـ: 66 - 73، 88 - 98، 90 - 92.
(14) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال ـ: 60، 1، 90.
(15) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال ـ: 59،66،74،90،135،153،197.
(16) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال ـ: 74، 89، 147،120.
(17) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال ـ: 97، 134، 152، 193، 217، 249، 251، 281، 282، 334.
(18) ينظر: المصدر نفسه: 59 - 66، 182 - 183، 200، 366.
(19) ينظر المصدر نفسه: 77، 78، 79، 130،241، 271.
(20) ينظر: المصدر نفسه: 80 - 81، 82 - 87، 141 - 144.
(21) ينظر: المصدر نفسه: 82، 102، 127، 257، 298.
(22) ينظر: المصدر نفسه: 133، 121.
(23) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال ـ: 211.
(24) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال -: 92، 118، 185، 232، 343.
(25) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال -: 67، 100، 101، 121، 174، 199، 202، 209، 217، 221.
(26) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال -: 204، 337، 382، 383، 387، 389.
(27) ينظر: المصدر نفسه: 98،136، 202، 205، 277، 350، 368.
(28) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال -: 86، 87، 96، 102، 103 - 107، 112، 121 - 123، 174، 181، 198.
(29) ينظر: المصدر نفسه: 131.
(30) ينظر: المصدر نفسه: 59، 135، 204، 224، 232، 286، 387، 388.