الصفحة 153 من 416

وخَبْر، وأنْبأَ، ونَبّأَ، وحدَّث )) [1] ، وسيبويه لم يذكر إلا ثلاثة أفعال هي: أرى، ونبَّأ، وأعلَمَ [2] ج- قال ابن الطراوة في فصل من باب (إعراب الفعل) : (( زعم [أبو علي الفارسي] في باب الأفعال المنصوبة أن(إذَنْ) لا تعمل في فعل الحال، وذلك أنْ تُحدّثَ بحديثٍ فتقول: (إذنْ أظُنُّكَ كاذبًا) ، وأنت مخبرٌ أنك في حال الظنّ [3] ، وهذا لا ندفعهُ ولكن نبهم عليه تضييع ما سطّر في هذا الحرف سيبويه، فإنه أجاز فيه النصب، والصواب ما قاله المؤلِّف [أبو علي الفارسي] إن شاء الله )) [4] . ولم يُجز سيبويه ذلك، فقد قال: (( وتقول إذا حُدِّثتَ بالحديث:(إذنْ أظنّهُ فاعلًا) ، و (إذن إخالُكْ كاذبًا) . وذلك لانك تُخبرُ أنّك تلك الساعة في حال ظن وخُيلةٍ فخرجت من باب (أنْ) و (كيْ) ،لأن الفعل بعدهما غير واقع، وليس في حال حديثك فعلٌ ثابتٌ )) [5] .

وهذا النص الأخير وإن لم يراعِ فيه نصّ سيبويه ولم يتثبّت من عبارته ومذهبه إلا أنه كشف شيئًا من تناقضاته؛ إذ جعل من قول أبي علي الفارسي معيارًا على كلام سيبويه، فخالف منهجه تمامًا

ومما ينبغي تدقيق النظر فيه المعايير الأخرى التي اعتمد عليها ابن الطراوة في تخطيء أبي علي الفارسي، فمنها ما كانت تصطدم بالأصول التي يستند عليها أبو علي الفارسي، وابن الطراوة على علم تام بذلك، وقد قال لدى مناقشته بعض آراء الفارسي في (الإيضاح) : (( ولو تكلّف إعمالَ الأول على مذهبه لم يخلص إليه ) ) [6] . ومن معاييره الباقية ما كانت تصطدم بالأصول المعتمدة لدى النحاة جميعًا. أما عن القسم الأول من المعايير فابن الطراوة ذو النزعة الكوفية يعلم يقينًا أنَّ الأصول التي يتمذّهب بها تصطدم بالأصول البصرية التي يعتنقها أبو علي الفارسي، فجعل من خلافه لسيبويه دليلًا على خطئه، وجعل من قول سيبويه معيارًا عليه، وإن معيارًا يُنتخب بهذه الكيفية يكون غايةً في الذكاء كونهما بصريّين، لكنه سرعان ما يصطدم بالواقع فثمة مواضع كثيرة - سبقت الإشارة إليها - اختلف فيها ابن الطراوة الكوفي مع سيبويه شيخ البصريين، فكثيرًا ما كان سيبويه يقف وقفة المتهم إلى جانب أبي علي الفارسي، وليست كل البدائل التي قررها ابن الطراوة يقرّها سيبويه على مذهبه، وهذان دليلان على أن هذا النقد وإن حاول ابن الطراوة أن يكسبه وجهًا شرعيًّا من جهة اختيار المعايير إلا أنه لم يفلح من جانبين - كما أسلفنا:

الأول: لأن سيبويه نفسه كان يوُضَع في دائرة الخطأ.

الثاني: لأن البدائل التي قررّها ابن الطراوة كوجه للصواب لم يكن كثيرًا منها جارٍ على ما أصّله سيبويه على وفق مذهبه، دليل ذلك موقفه من المسائل الخلافية التي سبق أن أشرنا إليها، وقد استقصينا منها

(1) ينظر: كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 19.

(2) والعبارة في الإيضاح: 311 (( أن يتحدث ) )... (( وأنت تخبر ) ).

(3) رسالة الإفصاح: 98.

(4) كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 412.

(5) رسالة الإفصاح: 37.

(6) ينظر: المصدر نفسة: 40، 49، 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت