فهرس الكتاب
عشر مسائل؛ تابع الكوفيين على ثمانٍ منها، ووافق البصريين في مسألتين كان قد خالفهم في تعليل إحداهما.
وأما عن معاييره التي خرج بها عن إجماع النحاة وما اتفقوا عليه من أصول، فقد بدى واضحًا أن لابن الطراوة رغبة في خرق هذا الإجماع لما عُهد عنه من نزعه تحرريّة واختياره في النحو مذاهب غريبة تفرد بها، ففلسفته في أصل السماع كمعيار نقدي يظهر عليها أثر التحرر من خلال استشهاده بلغة العامّة [1] ، بل ومعايرة كلامهم بقوانين الفصحى، من ذلك قوله: (( وقد تفّشى هذا في العامّة، فلا يقولون غَيرُه: مَرّ طريقَك، حتى قالوا:(مَرُّوا طرقاتِكم ) )) [2] ، ومن وجوه تحرره في التعامل مع هذا الأصل احتجاجه على بعض القواعد بقوانين لغات الأمم الأخرى بدعوى اشتهارها لديهم، من ذلك قوله معترضًا على بعض الأمثلة التي وضعها النحاة: (( وما أعلم للنحويين وهمًا أوحش من تجويزهم(سِيرَ بزيدٍ يومان فرسخين) [3] ، فجَمعَ هذين المقدَّرين من الزمان والمكان في عمل واحد، وما لم يوجد ولا يوجد لأحدٍ من العرب ولا يسوغ لذي عقلٍ من غيرهم من الأمم على استفاضة ذلك عند أهل هذا الشأن وأصفاقهم بغير دليلٍ من شعرٍ ولا من قرآن إلاّ وضْعًا أَلَفوه، وقولًا مرقوا فيه واعتادوه )) [4] . وقبل مغادرة هذا النص لابدّ لنا من أن ننبّه على نزعة إبن الطراوة الكوفية في التعامل مع ما بأيدي النحاة من مادة مسموعة، فهو لا يجيز ما لم يرد مسموعًا؛ والنصّ المتقدم صريح الإشارة إلى ذلك، وقال في موضع آخر: (( وكذلك قولهم: ضاربٌ زيدًا أمسِ، محالٌ على جهته، لا يجوز التكلّم به، ولا تجده أبدًا مستعملًا في الكلام، ولا مألوفًا بين العوام، وإنما هو لفظ تعاوره أهلُ النظر في النحو بينهم، فارتاضت في ألسنتهم، وانقادت له طِباعُهم، من غير سماع عن العرب ) ) [5] ، وترتب على ذلك أن الشاذ لدى إبن الطراوة أوسع مجالًا مما عند البصريين لا سيما لدى غريمه أبو علي الفارسي، وقد قال فيه: (( وجعل بأزاء:(جَنَابَتَي أنْفِها) : (مناط الثُريَّا) ونحوه، وليس من بابه، وإنما هو من باب ما شُبّه من الأماكن المختصّه بالمكان غير المختصّ، وهذا المكان أجراه سيبويه على الشذوذ [6] ، وهو قياس مُطّردُ لأنه تشبيهُ، وذلك أن (مَفْعَلًا) لا يَعملُ فيه الاستقرار، وإنما يعملُ فيه ما اشتُقَّ من لفظه، فإذا كان تشبيهًا جاز لأن الوقوع في غيره ممّا يُشبّه به )) [7] .
(1) المصدر نفسه: 68.
(2) ينظر: كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 114.
(3) رسالة الإفصاح: 65، وينظر قوله: 20.
(4) رسالة الإفصاح: 49، وينظر قوله: 36.
(5) ينظر: كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 206.
(6) رسالة الإفصاح: 69 - 70.
(7) التكملة: 181.