فهرس الكتاب
وعلى هذا النحو تعامل إبن الطراوة ذو النزعة الكوفية مع أصل القياس كمعيار نقدي، وقد أبدى زهدًا واضحًا في تعامله مع هذا الأصل إلا بما تناسب ونزعته تلك، أو بوصف أدقّ مع نزعته الشخصية، وله في النحو تعريف تفرد به، فلم يرضَ قول الفارسي: (( النحو علمُ بالمقاييس المستنبطة من إستقراء كلام العرب ) ) [1] ، فقال رادًّا: (( والصواب النحو تسديدُ الذهن للتمييز بين الاستقامة في الكلام والإحالة ) ) [2] ، وكأنه ينبّه الدارسين على أن مهمة النحوي ليست وقفًا على العلم بالقوانين، وإنما البحث عن مناهج اللغة وطرائق تعبيرها [3] ولذا خلص فيما خلص إليه إلى تقسيمات جديدة لم تعهد عن أحدٍ قبله، كتقسيمه المنصوب إلى أربعة أوجه ردًّا على أبي علي الفارسي الذي ذهب في باب (التعجب) إلى أن الاسم بعد (أَفعلَ) منصوب لانه مفعول به [4] ، فقال إبن الطراوة ردًا عليه: (( وإنما هو منصوب لا مفعول به، وهذا المنصوب يأتي على أربعة أوجه: مفعولُ به، ومضافُ إليه، ومنقولُ عنه، ومسؤول منه ) ) [5] ، لكنه لم يمثّل لواحد من هذه الأربعة، ويبدو أنه يجعل الاسم المنصوب بعد (أفعل) من الوجه الثالث، وهو المنقول عنه، ذلك أنه منقول عن مرفوع، فأصل (ما أَحسنَ زيدًا) : (حَسُن زيدٌ) ، فنُقِلَ عن الرفع إلى النصب [6] ، قال في قول أبي علي الفارسي في باب ما يتعدى إلى ثلاثة مفعولين: (( صار الفاعلُ مفعولًا أوّلًا ) ) [7] ، فقال إبن
الطراوة: (( فما أقبح قوله: صار الفاعلُ مفعولًا، والصواب صار المرفوع منصوبًا، وصار المُسندُ إليه منقولًا عنه ) ) [8] .
ومما اعتمده إبن الطراوة معيارًا عقليًا هو القول بعمل العوامل، وقد أضاف إلى العوامل المعنوية عاملًا جديدًا هو (القصد إليه) وهو عامل معنوي كالابتداء، وقد نبع اعتداده بهذا العامل من أن بعض المعمولات من الأسماء والأحداث يُقصدُ إلى ذكرها خاصة، من غير حاجة إلى الإخبار عنها أو تسليط عامل لفظي عليها، وأساس القول بهذا العامل هو أن المعمول لا يتقدم على عامله، فما عدّه النحاة مفعولًا مقدمًا ومنصوبًا على الاشتغال؛ فهو لدى إبن الطراوة منصوب بالقصد إلى ذكره، ولا علاقة له بالعوامل بعده [9] ، ومع أن إبن الطراوة أول من قال بهذا العامل وأخذ به إلا أنه أشار إشارة عابرة إليه
(1) رسالة الإفصاح: 103.
(2) ينظر: أبو الحسين بن الطراوة وأثره في النحو: 66.
(3) ينظر: الإيضاح: 91.
(4) رسالة الإفصاح: 41.
(5) ينظر أبو الحسين بن الطراوة وأثره في النحو 63.
(6) الإيضاح: 175.
(7) رسالة الإفصاح: 60، وينظر كذلك تقسيمه للأفعال بحسب ما تنتقل إليه: 38.
(8) ينظر: أبو الحسين بن الطراوة وأثره في النحو: 74 - 75.
(9) ينظر: رسالة الإفصاح: 37.