فهرس الكتاب
حَنَانَيْك إن جاءَتك يومًا خصائصي ... وهالك أصناف الكلام المُسَخّرِ
فسلْ مُنصِفًا عن حالتي غير جائرٍ ... يُخبرَّك أن الفضل للمتأخّرِ
وبهذه المعاني التي تفصح عن همّة عالية واعتداد شديد بالنفس قضى الحسن بن صافي أكثر شعره؛ بل أنهى جلَّ حياته يدعو الناس لنفسه وهم في إدبار عنه إلا من قلّة، حتى أن بعض من يتودده كان يعين على عداوته سِرًّا، لكن الحسن بن صافي مع قلّة السالكين لطريقته مضى يشنِّع على العلماء فعُرف بكثرة خلافه لهم؛ سابقين ولاحقين، جاعلًا من خلافه لهم مملكةً لنفسه ولآرائه طرد منها أكثر ما ألِفه النحاة وأجمعوا على القول به، فكان (( يحكم على أهل التمييز بحُكم ملكٍ فيُقيل ولا يُستقال، وكان يقول: هل سيبويه إلا من رعيّتي؟ ولو عاش ابن جنّي لم يسعه إلا حمل غاشيتي ) ) [1] . والذي يظهر أن النحاة هم من طرده من مملكتهم وأخرجوه عن إجماعهم، إذ ردّ على آرائه بما فيها مسائله العشرة غير عالم - كما سيأتي - مُنكرين عليه ما جاء به من آراء غريبة واختيارات لم يقل بها أحدٌ يعوّل عليه في العلم، حتى الشعراء لم يسلم من هجائهم وقد لاذ بالموصل بعد أن ترك الشام ولم يرجع إليه حتى تأكد أن أحدًا لن يتعرض له؛ ليَسْلم على ملكه ومملكته من مناوئيه ومعارضيه وما أكثرهم!. وممن عرف بشدّة ردّه على ملك النحاة ابن الشجري؛ الذي كان يراه (( .. وصمة عار اتسم بها زمانه ذاك لا يبيد عارها ولا ينقضي شنارها ) ) [2] ، ومن آرائه فيه قوله: (( ... فتأمل سددك الله هذه الفطرة التي عمي عنها هذا الغبي وعمّا صدرت به حتى خطّأ بجهله الأئمة المبرّزين في علم العربية المتقدمين منهم والمتأخرين ) ) [3] .
أما مسائله العشرة فان أشهر من تصدى لها وألَّف في الردّ عليها أبو المعالي عبد العزيز بن الحُسين بن الحباب الصقلي المعروف بابن الحباب الجليس أو القاضي الجليس (ت561هـ) [4] ، فقد أورد أبو حيّان الأندلسي (ت 745هـ) المسألة الخامسة - من مسائل ملك النحاة العشر - والرد عليها في كتابه: تذكرة النحاة (مخطوط) [5] منسوبة لابن الحباب الجليس؛ كان قد نقلها عن علم الدين السخاوي (ت 643هـ) الذي أورد هذه المسائل في آخر كتابه (سفر السعادة) [6] ، لكنه لم ينسبها إلى عالم بعينه؛ والذي نسبها إلى إبن الحباب هو أبو حيان الأندلسي.
(1) أمالي الشجري: 2/ 121، والأشباه والنظائر: 5/ 174.
(2) المصدران أنفسهما: 2/ 125، و: 5/ 169.
(3) هو عبد العزيز بن الحسين بن الحباب الاغلبي السعدي التميمي الصقلي المعروف بالقاضي الجليس، شاعر أديب من أهل مصر، عرف بصحبته للخلفاء الفاطميين ومجالسته إياهم. ينظر: الإعلام للزركلي: 4/ 140.
(4) نقلًا عن كتاب (ملك النحاة حياته وشعره ومسائله العشر مع ردّ أبي محمد عبد الله بن بري عليها) : 77.
(5) ينظر: سفر السعادة وسفير الإفادة: 2/ 773 - 846.
(6) تنظر ترجمته في: البلغة في تراجم أئمة اللغة: 121، وبغية الوعاة: 2/ 34.