فهرس الكتاب
وكان ينفذ من بين هذا و ذاك إلى مواضع الخطأ فيدلّ عليها. ومما وقع التنبيه عليه؛ نقده لسماع الحسن بن صافي من جانب وثاقته، فقد اتهمه بالتزيّد وفساد النقل في غير موضع، من ذلك قوله: (( ومن العجب أنه نسب سيبويه والسيرافي إلى التخبّط في كلامهما ونسي أنه قد خبط في نقل كلامهما تخبيطًا أخرجه عن جهته بما غيّره من لفظهما وما زاد فيه ونقص ) ) [1] ، ووجد أنه يتساهل حتى في أخذه عن القرآن الكريم، و (( قد غيّر لفظ التلاوة وغيّر معنى الكلمة عما وضعت له ) ) [2] في واحدة من الآيات الكريمة التي استشهد بها.
كما نقد أقيسته [3] ؛ من ذلك ردّه على قول الحسن بن صافي في (المسألة الأولى) أن (((إذا)
بمعنى الوقت وهي تُضاف إلى الجمل على تأويل المصدر [في نحو قوله تعالى: (أيعدكم أنّكم إذا مِتّم وكنتم ترابًا وعظامًا أنكم مُخرجون) [4] ]فإذا قلت تقديره: مخرجون وقت موتكم. كان محالًا لأن الإخراج وقت الموت لا يتصوّر لأنه جمع بين ضدّين )) [5] ، حمله على قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا) [6] ، قال: (( والعسر ضدّ اليسر، والضدان لا يجتمعان، ولكن الأصل. إن مع انقضاء العسر يسرا، إلا أن المضاف حُذف ) ) [7] ، فردَّ إبن برّي حكمه هذا وقال: (( إن(إذا) وإن كانت بمعنى الوقت فليس يستلزم أن يكون وقوع الفعل في أول ذلك الوقت دون آخره. ألا ترى أن القائل إذا قال: قدمتُ شهر رمضان، ليس يلزم أن يكون في أول ساعة منه بل يجوز أن يكون في آخر ساعة منه. لأن آخر المدة هو بعضها ومنها وليس غيرها ... وكذلك قوله (سبحانه) [في هذه الآية الكريمة] هو مثل ما تقدم من جهة أن الوقت الذي حصل فيه موتهم أولًا ثم عظامًا بعد ذلك ثم ترابًا بعد ذلك هو وقت واحد وفي آخر هذا الوقت الذي كانوا فيه عظامًا وترابًا يبعثون. ومعلوم أن آخر المدة هو منها وليس هو غيرها، فيكون المعنى على هذا: أيعدكم أنكم مخرجون آخر وقت موتكم وكونكم عظامًا وترابًا. وإذا صحّ المعنى بقولنا: آخر وقت موتكم، صحّ المعنى بذكر الوقت بكماله لأنه قد تقرر أنه لا يلزم أن يكون الفعل واقعًا في أول زمان ذلك الشيء بل قد يكون أوله وآخره )) [8] وهذا لا ينطبق على قوله تعالى: (إن مع العسر يسرا) ، لأن (( كل نكرة أُعيدت في الكلام فإنها لا تأتي إلا معرّفة بالألف واللام لأنها قد صارت معهودة. وعلى ذلك قوله سبحانه: (الله نور السموات والأرض، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح
(1) المصدر نفسه: 123.
(2) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال -: 102، 124، 132.
(3) المؤمنون: الآية: 35.
(4) ملك النحاة، حياته وشعره ومسائله العشر: 88.
(5) الانشراح: الآية: 6.
(6) ملك النحاة، حياته وشعره ومسائله العشر: 89.
(7) ملك النحاة، حياته وشعره ومسائله العشر: 102.
(8) النور: الآية: 35.