فهرس الكتاب
حملني على هذا المكتوب قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) : (( الدين النصيحة ) ) [1] ، وقوله [صلى الله عليه وسلم] ...: (( من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه ) ) [2] . وعلى الناظر في هذا الكتاب من أهل هذا الشأن إن كان ممن يحتاط لدينه ويجعل العلم مزلفًا له من ربه أن ينظر، فإن تبيّن له ما نبيّنه رجع إليه وشكر الله عليه؛ وإن لم يتبيّن له فليتوقف توقّف الورع عند الإشكال، وإن ظهر له خلافه فليبيّن ما ظهر له بقول أو بكتاب )) [3] . ثم قال: (( وإني رأيت النحويين - رحمة الله عليهم - قد وضعوا صناعة النحو لحفظ كلام العرب من اللحن وصيانته من التغيير، فبلغوا من ذلك إلى الغاية التي أمّوا، وانتهوا إلى المطلوب الذي ابتغوا؛ إلا أنهم التزموا ما لا يلزم، وتجاوزوا فيها القدر الكافي فيما أرادوه منها، فتوعّرت مسالكها، ووهنت مبانيها، وانحطّت عن رتبة الإقناع حججها ) ) [4] . إذًا فدوافع التأليف تتركز في غرضين: أحدهما ديني والآخر لغوي، فأمّا الغرض الديني؛ فاختار طريق النصح لنفاذه. وأما اللغوي فلا سبيل إليه إلا عن طريق النقد، وصار أسلوب إبن مضاء يتمثل دور الناصح تارةً، ودور الناقد أخرى. قال: (( فأتاح الله لهم رجلًا ناصحًا، وناقدًا بصيرًا، فأظهروه على ما لديهم من تلك الذخائر النفيسة المونقة. فقال لهم: قال رسول الله(صلى الله علية وسلم) : (( الدين النصيحة ) )وأنا أنصحكم لا للاقتناء ولا للاكتساب، ولكن لابتغاء الأجر من الله والثواب )) [5] .
ولا شك أن تحقق الهدف الديني لدى إبن مضاء متعلّق بتحقيق الهدف اللغوي؛ لأن طبيعة هذه الدراسة هي دراسة نحوية وإن ارتبطت بعقيدة النحاة الشرعيّة ووزنت بعض مسائلها النحوية بميزان الحلال والحرام؛ لكنه قال بالجملة: (( قصدي في هذا الكتاب أنْ أحذف من النحو ما يستغني النحويّ عنه، وأنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه ) ) [6] .
ومع أنه جعل من ردّه على النحاة حُسبةً يتقرّب بها إلى الله (تعالى) ؛ رأى أنْ يُجدد بها البيعة لولي أمره الأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، قال: (( وأسأل الله الرضا عن الأمام المعصوم، المهديّ المعلوم، وعن خليفتيه: سيدنا أميرَيِّ المؤمنين، الوارثين مقامه العظيم. وأصلُ الدعاء لسيدنا أمير المؤمنين إبن أمير المؤمنين. مُبْلغ مقاصدهم العليّة إلى غاية التكميل والتتميم ) ) [7]
(1) المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم: 1/ 136.
(2) الرد على النحاة:71 - 72.
(3) المصدر نفسه: 72.
(4) المصدر نفسه.
(5) المصدر نفسه: 76.
(6) المصدر نفسه: 71.
(7) البيت لجرير في ديوانه: 284.