فهرس الكتاب
إن طرحًا بهذه الجرأة جعل إبن مضاء يسأل نفسه في هذه المقدمة؛ هل يجد الكتاب عند النحاة ما يجده لدى ولي أمره؟. قال: (( ولعلَ قائلًا يقول: أيها الأندلسي المسرور بالأجراء بالخلاء، المُضاهي بنفسه، الحفيّ ذكاءً وأيُّ ذكاء، أتزاحم بغير عود، وتُكاثر برذاذك الجود ... أتُزري بنحويِّ العراق. وفضل العراق على الآفاق، كفضل الشمس في الإشراق ... فيُقال له: إن كنت أعمى لا تنهض إلا بقائد، ولا تعرف الزائف من الخالص إلا بناقد، فليس هذا بعشّك فادرجي:
خلَّ الطريقَ لمن يبني المنارَ بهِ ... وابرُز ببرزةٍ حيثُ اظطَركَ القدرُ [1] ) [2] .
إذًا سبق الكتاب بالرضى إلى نفسه، ولمّا رآه استوى على سوقه، قال مطمئنًا: (( ومثل
هذا المكتوب وكتب النحويين، كمثل رجال، ذوي أموال عندهم الياقوت الرائق، والزبرجد الفائق، والذهب الإبريز، والورق التي بُرَزت في الخلوص كلّ التبريز، وقد خالطها من الزجاج الذي صُفيّ حتى ظُنَّ زبرجدًا، والنحاس الذي عولج حتى حُسب عسجدًا ... حتى صاروا بها ألهج، وظنّوا أنهم إليها أحوج، فأتاح الله لهم رجلًا ناصحًا، وناقدًا بصيرًا ... )) [3] .
بعد أن انتهى إبن مضاء من مقدمته التي حكى فيها مبررات وضعه للكتاب والغاية التي ينشدها من وراء هذا التأليف لم يباشرهم النقد حتى أعلن خلافه عليهم جميعًا، (( وأُنبّه على ما أجمعوا على الخطأ فيه ) ) [4] ، ولم يجد في تصريحه بهذا الخلاف إلا أن يحتجّ بقول أحد مخالفيه؛ ذاك هو ابن جنّي. قال: (( وقد قال كبيرٌ من حُذّاقهم، ومُقدّم في الصناعة من مقدّميهم، وهو أبو الفتح بن جني في خصائصه [5] : (( إعلم أن إجماع أهل البلدين(يعني البصرة والكوفة) إنما يكون حجّة إذا أعطاك خصمُك يده أن لا يخالف المنصوص والمقيس على المنصوص، فإذا لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّة عليه، وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنّة، أنهم لا يجتمعون على الخطأ ... )) [6] . لذا صار يخاطب النحاة بخطاب واحد لا يفرّق في ذلك بين مذهب ومذهب؛ بل يجعلهم مذهبًا واحدًا فيقول: (( على مذهبهم ) ) [7] ، أو يسميّهم: (( النحويون ) ) [8] ، أو (( النحويين ) ) [9]
(1) الرد على النحاة: 74 - 75.
(2) المصدر نفسه: 72.
(3) المصدر نفسه: 67.
(4) ينظر النّص في (الخصائص) : 1/ 189، مع تصرّف في بعض الفاظه.
(5) الرد على النحاة: 82 وما بعدها.
(6) ينظر: المصدر نفسه: 85، 100، 101.
(7) ينظر: المصدر نفسه: 86، 87، 88، 92، 99، 100، 101.
(8) ينظر: المصدر نفسه: 90، 93، 94، 99، 101، 117.
(9) ينظر: المصدر نفسه: 119.