الصفحة 177 من 416

ومما يجب أن يسقط من النحو العلل الثواني والثوالث، وذلك مثل سؤال السائل عن (زيد) من قولنا: (قامَ زيدٌ) لِمَ رُفع؟ فيُقال: لأنه فاعل، وكل فاعل مرفوع، فيقول: ولم رُفِع الفاعل؟ فالصواب أن يُقال له: كذا نطقت به العرب. ثبت ذلك بالاستقراء من الكلام المتواتر )) [1] ، وهو يستند في قياسه هذا على الأصول الفقهية العامّة، فقد قال في إثر قوله الآنف: (( ولا فرق بين ذلك وبين مَنْ عرف أن شيئًاما حرام بالنصّ، ولا يحتاج فيه إلى استنباط علّة، لينقل حكمه إلى غيره، فسأل: لِمَ حُرِّم؟ فان الجواب على ذلك غير واجب على الفقيه ) ) [2] .

ولا أرى أن هذا يُحمل على ذاك لبعد ما بين العلّتين؛ العلة النحوية والعلة الفقهية، فعلل النحو الأولى التي يقبلها إبن مضاء هي علل مظنونة في الغالب ولا يجوز أن تُحمل على علل الفقه المنصوص عليها، وقد شرح ذلك إبن جني في كتابه (الخصائص) تحت باب: (ذكر علل العربية أكلاميّة هي أم فقهية؟) فقال: (( إعلم أن علل النحويين - وأعني بذلك حذّاقهم المتقنين، لا ألفافهم المستضعفين - أقرب إلى علل المتكلمين، منها إلى علل المتفقهين. وذلك أنهم إنما يحيلون على الحّس، ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفتّها على النفس؛ وليس كذلك حديث علل الفقه. وذلك أنها إنما هي أعلام، وأمارات، لوقوع الأحكام، ووجوده الحكمة فيها خفيّة عنّا، غير بادية الصفحة لنا؛ ألا ترى أن ترتيب مناسك الحجّ، وفرائض الطهور، والصلاة، والطلاق، وغير ذلك، إنما يرجع في وجوبه إلى ورود الأمر بعمله، ولا تعرف علّة جعل الصلوات في اليوم والليلة خمسًا دون غيرها من العدد، ولا يُعلم أيضًا حال الحكمة والمصلحة في عدد الركعات، ولا في اختلاف ما فيها من التسبيح والتلاوات؛ إلى غير ذلك مما يطول ذكره، ولا تحلى النفس بمعرفة السبب الذي كان له ومن أجله، وليس كذلك علل النحويين ) ) [3] . إذًا فلا بدّ أن يكون هناك تمايز في طبيعة التعامل مع المادة المسموعة في النحو عنها في الفقه، ويكفي دليلًا على ذلك أن ابن مضاء عاد فقبل شطري العلل الثواني التي دعا إلى إلغائها صراحةً؛ فقال: (( العلل الثواني على ثلاثة أقسام: قسم مقطوع به، وقسم فيه إقناع، وقسم مقطوع بفساده ) ) [4] ، ليدلّ بذلك على عدم تطابق ركني قياسه المتقدم. بل ووجدته في مواضع أُخرى يخالف هذا الأصل تمامًا؛ وقد رفض غير مرة الأخذ بما ثبت نصّه مسموعًا عن العرب، وهذا طبيعيٌ جدًا، لأن مجرد التسليم لكل ما ورد مسموعًا بحجّة ثبوت نصّه عنهم يعني التسليم لجميع الألفاظ والتراكيب اللغوية بصحيحها وسقيمها، ولا يُفرَّق في ذلك بين القليل والكثير وبين الشاذ والمطّرد فالكل سواء في ميزان الاحتجاج طالما ثبت نصّه بالاستقراء عن كلامهم، لكن الواقع أثبت أن ابن مضاء مضى على سنّة النحاة في ذلك ولم يقبل كل ما ورد مسموعًا عنهم مع ثبوت نصّه، بل كان يحكم على بعضه بالشذوذ، من ذلك تعليقه على قول النحاة في باب (الاشتغال) : (زيدُ أكرمته، وعمرو أهنته إعظامًا له) قال: (( .. جاز أن تحذف [

(1) المصدر نفسه.

(2) الخصائص: 1/ 48.

(3) الرد على النحاة: 131.

(4) لم أقف على صاحب النص ولا على مناسبته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت