الصفحة 184 من 416

أبَحْتَ حِمَى تهامةَ بعد نجْدٍ ... وما شيءٌ حمَيْتَ بمُستباحِ

قال: (( فحميت في موضع الصفة ولا يجوز نصب(شىء) لفساد المعنى ... )) [1] . وهو في ذلك

لا يبتعد كثيرًا عن قول النحاة وهم يجمعون على أن الأعراب أثر يجلبه العامل [2] ، فحركات الإعراب لديهم تدلّ على المعاني؛ كما أنها تدلّ على العوامل، وهو يقول أنها تدلّ على المعاني وحسب؛ لكنه أوكل ما عناه النحاة بـ (العمل) إلى المعاني؛ وإن كان لا يجيز لها عملًا في الظاهر، وجعل المتكلم هو المسؤول عن ذلك، قال: (( وإذا كان العائد على الاسم المقدم قبل الفعل ضمير رفع، فان الاسم يرتفع كما أن ضميره في موضع رفع. ولا يُضمر رافع كما لا يُضمر ناصب، إنما يرفعه(المتكلّم) وينصبه إتباعًا لكلام العرب )) [3] ، وقوله: (( فالصواب أن يُقال: كذا(نطقت به العرب) ، ثبت ذلك بالإستقراء من الكلام المتواتر )) [4] . وقد عاد لما بدأ منه، فهو لا يمنح المتكلم صفة العمل بأي حالٍ من الأحوال؛ وبه ردّ على إبن جنّي كون المتكلّم يرفعُ وينصبُ ويجزمُ، وقال بأنه قول المعتزلة الذي ردّه بقول أهل الحق أصحاب المذهب الظاهري، جاعلًا العمل لله وحده لا لشيء غيره، قال: (( وأما مذهب أهل الحق فان هذه الأصوات إنما هي من فعل الله تعالى، وإنما تُنسب إلى الإنسان كما يُنسب إليه سائر أفعاله الاختيارية ) ) [5] ، فهل إرادة الإعراب التي منحها إبن جنّي للمتكلم غير الإرادة التي منحها إبن مضاء لهذا المتكلّم: (( وإنما تُنسب إلى الإنسان كما يُنسب إليه سائر أفعاله الاختيارية ) )!؟، هذا إذا حملنا لفظ العمل على المجاز، ولو نسبنا أعمالنا (أقوالنا) إلى الله (تعالى) على وجه الحقيقة كما نسبها إبن مضاء إليه (جلّ شأنه) ؛ فلنا أن نسأله: كيف يردُّ شيئًا هو من عمل الله تعالى، ويحكم عليه بالضرورة أو الشذوذ!؟ ويُلزِم مَنْ بقوله: (يجوز) و (لا يجوز) [6] (تعالى الله عمّا أصف علوًّا كبيرًا) . إذًا فدعوى إلغائه العوامل لا يعني أنه ممن لا يقول بالعمل أو أنه ينكر ذلك التأثير بين الألفاظ من جهة المعنى وإن حاول خلافه، ولكنه يعني أن (مصطلح) العمل وإسناده إلى الألفاظ لا يجوز شرعًا، لأنه يوهم (( بأن الألفاظ يُحدث بعضها بعضًا [وهذا] باطلٌ عقلًا وشرعًا ) ) [7] ، إذ (( لا

(1) الإعراب في النحو العربي (بحث) : 48.

(2) الرد على النحاة: 105.

(3) المصدر نفسه: 151.

(4) المصدر نفسه: 77.

(5) ينظر: المصدر نفسه - على سبيل المثال: 104، 105.

(6) المصدر نفسه: 77.

(7) المصدر نفسه: 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت