ذات أصل (جذر) ثم استأصلت بغيره، فصارت شجرة متأصّلة، وفيه معنى الاتخاذ وتقوية الأساس
واستوعب صاحب (التعريفات) هذه الدلالات بقوله: (( الأصل: هو ما يُبنى عليه غيره ) ) [1] ، وقال: هو (( عبارة عما يُفتقر إليه، ولا يفتقر هو إلى غيره ) ) [2] .
أما اصطلاحًا فقد عرف النحاة للفظ (الأصل) معانٍ عدة [3] ، يهمنا منها ثلاث دلالات أُريد بها كلها معنى (الإتخاذ) ، وقد أُطلقت على المعايير النقدية الرئيسة في النحو، والتي تعرضنا لبعضها في سابق البحث [4] ، وها نحن نعود لنضع حدّ ما بينها، ولا سيما الأصول التي كان لها الأثر المباتشر في استقلالية المذاهب النحوية وتعدد اتجاهات النقد فيها؛ حتى يتنسى لنا ـ بعد ذلك ـ التفريق بين الدلالات التي يخرج إليها لفظ الأصل، فنعرف المعنية منها في التفريق بين المذاهب، للوقوف على حقيقة وجود هذه المذاهب في الدرس النحوي، وحقيقة تعددها؛ باعتبار ما توافر لها من تلك الأصول.
إن الدلالات الثلاثة التي يخرج إليها لفظ (الأصل) هي:
1 -أن يُطلق لفظ (الأصل) ويُراد به القاعدة النحوية [5] ، وذلك لأنها مبنى وأساس لفروعها، كقولهم: الأصل في صاحب الحال أن يكون معرفة [6] . وهذا المعنى كان من أكثر المعاني الاصطلاحية شيوعًا في استعمال النحاة، ولا سيما النحاة الأوائل. قال الزجّاجي واصفًا جهد أبي الأسود الدؤلي حين رأى أن اللحن قد تطرّق إلى لسان ابنته: (( وهمَّ أن يضع كتابًا يجمع فيه أصول العربية ) ) [7] . أي همَّ أن يضع قواعدًا للعربية يهتدي الناس بها. ووضع ابن السرّاج كتابًا حمل لفظ (الأصل) جاء ترجمة لهذا المعنى سمّاه: (الأصول في النحو) ، قال عنه ياقوت الحموي: (( جمع فيه أصول العربية، وأخذ مسائل سيبوبه ورتبها أحسن ترتيب ) ) [8] ، وقال في موضع أخر يصف جهد إبن السرّاج فيه: (( ونظر في دقائق سيبوبه وعوّل على مسائل الأخفش والكوفيين وخالف أصول البصريين في مسائل كثيرة ) ) [9] . وقال ابن السرّاج في كتابه (الأصول) : (( اعتلالات النحويين على ضربين: ضرب منها هو المؤدي إلى كلام العرب، كقولنا: كل فاعل مرفوع، وضرب آخر
(1) المصدر نفسه.
(2) ينظر: الرد إلى الأصل في النحو والصرف (رسالة) : 8 ـ 15.
(3) ينظر: ص 63 ـ 65 من هذا البحث.
(4) ينظر: الرد إلى الأصل في النحو والصرف (رسالة) : 8.
(5) ينظر: شرح الكافية: 1/ 201، والأشباه والنظائر: 2/ 90.
(6) الإيضاح في علل النحو: 89.
(7) معجم الأدباء: 18/ 198.
(8) المصدر نفسه.
(9) الأصول في النحو:1/ 35.