الصفحة 191 من 416

أوله )) [1] ، وهو يريد قول ابن السرّاج في أول كتابه (الأصول) : (( اعتلالات النحوين على ضربين ? ) ) [2] . ثم أكّد ابن جنّي على مراده من (الأصول) التي هو بصددها في موضع آخر، فقال: (( فإن هذا الكتاب ليس مبنيًا على حديث وجوه الإعراب، وإنما هو مقام القول على أوائل أصول هذا الكلام، وكيف بُدئ وإلآم نُحي ) ) [3] . وبهاتين الإشارتين رسم ابن جنّي حدّ مابين الدلالتين، فكتاب في قواعد النحو شيء، وكتاب في أدلة النحو شيء آخر، على أن ابن جنّي كان يستعمل معنى القاعدة المؤدى بلفظ (الأصل) أثناء شرحه لهذه الأصول (الأدلة) ، ففي حديثه عن أخطاء عرب الجاهلية، قال نقلًا عن شيخة أبي علي الفارسي: (( كان أبو علي رحمه الله يرى وجه ذلك ويقول: إنما دخل هذا النحو في كلامهم لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها وقوانين يعتصمون بها ) ) [4] . أي لا قواعد لهم يراجعونها حين الخطأ.

جاء بعد ابن جنّي عالم بغدادي آخر هو أبو البركات الانباري ووضع كتابًا في الفن ذاته، وسمه بـ (لمع الأدلة في علم أصول النحو) فوسّع من استعمالات هذا المعنى الاصطلاحي الجديد حين لجأ إلى لفظ (الأصل) في التعبير عن معنى الأدلة. جعل الفصل الأول منه في: (معنى أصول النحو وفائدته) قال فيه: (( أصول النحو أدلة النحو التي تفرعت منها فروعه وفصوله، كما أن أصول الفقه أدلة الفقه التي تنوعت عنها جملته وتفصيله، وفائدته التعويل في إثبات الحكم على الحجّة والتعليل ) ) [5] . إذًا تقررت فائدة هذا الأصول والأدلة لديهم بأنها لإثبات الأحكام النحوية، فالأصل الدليل: إما أن يُثبت به صحة حكم أو يُثبت به فساده. وفي كلام أبي البركات الانباري إشارة سبق ابن جنّي إليها، وهي أن أصول النحو مقيسة على أصول الفقه ومأخوذة عنها قلبًا وقالبًا. نفهم من ذلك أن معنى (الأدلة) المؤدى بلفظ (الأصل) أو (الأصول) استجلبه النحاة من المباحث الفقهية والكلامية كما هو ظاهر القول.

وهكذا تتوالى كتب أصول النحو (أدلة النحو) سائرة على المنهج ذاتة من حيث استيحاء الفكرة ومسوغات تسميتها والمورد الذي وردت منه، فقد وضع السيوطي كتاب (الاقتراح في علم أصول النحو) ، وهو في الفن نفسه، لكن المُلفت للنظر أن أصحاب هذه الكتب الثلاثة اعتلّوا لوضعها

بعلّة واحدة، وكلهم ادعى السبق في التأليف [6] .

(1) الأصول في النحو: 1/ 35.

(2) الخصائص: 1/ 67.

(3) المصدر نفسه: 3/ 273.

(4) لمع الأدلة: 80

(5) تنظر أقوال أصحاب هذه المولفات على التتالي في: الخصائص:1/ 2، ولمع الأدلة:80، والاقتراح:17.

(6) ينظر: سر صناعة الإعراب (مقدمة الناشرين) :1/ 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت