الصفحة 192 من 416

الراجح أن مؤلفات النحو لمّا أخذت تحاكي مؤلفات الفقه في هذا الفن وتنزع نزعتها؛ أخذت دلالة (الأصل) منذ هذا الوقت تضيق عن معنى القاعدة النحوية بعد أن اتسعت بمعنى هذا الفن، والذي سهّل ذلك أنهم استعاضوا عن لفظ (الأصل) بلفظ (القاعدة) في الدلالة على معناها، فلا تكاد تسمع لفظ (الأصل) في الدراسات الحديثة إلا في حديثهم عن أدلّة النحو، كان هذا على حساب القاعدة المؤداة بلفظ (الأصل) . جاء في (مقدمة الناشرين) لكتاب (سرّ صناعة الإعراب) لابن جنّي ما نصّه: (( وقد نسب رجال الطبقات إلى أبي بكر محمد بن السري السرّاج المتوفى سنة 316 هـ ـ استاذ أبي علي الفارسي ـ كتابين في أصول النحو: كبيرًا وصغيرًا، لكنهما لم يصلا إلى أيدينا ولعلهما لو وصلا لم يبلغا مبلغ (( الخصائص ) )لأبي الفتح، في غزارة المادة، وقوّة التقصّي للأجزاء، والمبالغة في البسط والشرح وحسن التعليل، وهي خصائص واضحة، امتاز بها هذا اللغوي الكبير. ولو علم أبو الفتح وهو قريب عهد من أبي بكر بن السرّاج، أن كتابيه في أصول النحو قد سدّا حاجة أهل عصره لاتجه اتجاهًا آخر في التأليف، ولم يلقَ الذي لاقاه من جهد في تسطير كلام مُعاد، وبحث مطروق )) [1] . ولايخفى ما في هذا الكلام من وهم وتناقض، وهو كلام تعوزه الدقّة، فهذه اللجنه لم تعمل حدسها في الوقوف على معنى (الأصل) الذي قصده ابن السرّاج في كتابه، حتى ذهب بهم الظن إلى أنه مما وضِعَ في أدلة النحو من سماع وقياس ونحوها. وتصوّروا أن الأصول التي يتحدّث عنها ابن السرّاج هي الاصوال التي كتب فيها ابن جنّي. ولهذه اللجنة العذر فيما ذهبت إليه؛ لأن (أصول) ابن السرّاج لم تكن قد رأت النور قبل أن تتصدر هذه المقدمة كتاب (سرّ الصناعة) ، ولأنهم لم يجدوا ما يفسِّروا به (أصول) ابن السرّاج سوى الدلالات الشائعة لهذا اللفظ في عصرهم. ولايخفى أن هذا المعنى هو الأكثر شيوعًا في يومنا هذا فهو كثير الدوران في أبحاث الدارسين كثرةً قد لا يحتاج لفظ (الأصل) معها إلى قرينة توضّحه حتى وإن أشار السياق إلى خلاف ذلك، الأمر الذي اضطر بعض من يبحث في الدلالات الأخرى التي يخرج إليها هذا اللفظ أن ينبّه على المراد من مقصده. كالبحث في (القواعد) النحوية إن نُعتت بالأصول، وبهذا البيان صدّر الدكتور علي عبدالله العنبكي رسالته للدكتوراه والموسومة بـ (الرد إلى الأصل في النحو والصرف) [2] فقال: (( ليس المقصود بـ(الأصول) هنا ما يُطلق عليه (علم أصول النحو) الذي هو يبحث في أدلة النحو الاجمالية. . . كالسماع والقياس والاجماع واستصحاب الحال، وإنما المقصود بـ (الأصول) في هذا البحث ما وضعه النحاة من (أصول وقواعد) مجردة قد تكون مستعملة وقد تكون مرفوضة (معدولًا بها عن الأصل ) )) [3] . وبما أن علاقة الأصل الدليل بالأصل القاعدة هو علاقة المقدمات بالنتائج فإن بعض الدراسات قد لايهمها التفريق بين هاتين الدلالتين ولاسيما في القضايا التي تمسّ هذين الجانبين على حدّ سواء، كالبحث في ظاهرة (الشذوذ) مثلًا.

(1) تقدم بها إلى قسم اللغة العربية في كلية الآداب من جامعة بغداد 1992.

(2) الرد إلى الأصل في النحو والصرف (رسالة) : 6.

(3) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 21 ـ26، والخصائص:1/ 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت