فالشاذ كما هو معروف الخارج عن حدّ الكثرة في السماع، والخارج عن حدّ الأصل في القياس، وهذا مااعتمد عليه الدكتور فتحي عبد الفتاح الدجنّي في كتابه (ظاهرة الشذوذ في النحو العربي) وقد ارتضى تقسيم ابن جنّي للمادة المسموعة ـ باعتبار كثرتها وقلّتها ـ إلى: (مطرد في القياس شاذ في الاستعمال) و (مطرد في الاستعمال شاذ في القياس) و (شاذ فيهما جميعهًا) [1] ، فالنوعان الأول والثاني يجوز استعمالهما ويعوّل عليهما في التقعيد النحوي، أما النوع الثالث (شاذ في السماع والقياس) فشاذ لايستعمل ولا يُقعّد عليه. لكن الدجنّي جعل الأصل الدليل وما يترتب عليه من قواعد (أصول) مما يُفرّق به بين المذاهب النحوية. قال: (( إن الناظر لأصول الكوفيين والبصريين معًا يرى الخلاف واضحًا وضوح الشمس بين المنهجين وذلك لاختلاف الاصول ) ) [2] . فجعل اختلاف الأصول مما يترتب عليه اختلافهما في المنهج، وقد فسّر هذه الأصول في موضع آخر بقوله: (( وفي رأينا أنه خلاف علمي محض جاء نتيجة طبيعية لاختلاف الأصول والأخذ معًا ) ) [3] . أي لاختلاف الأدلة وما يترتب عليها من قواعد، لذلك لم يتردد الدجنّي في أن ينسب لكل مصر عربي مذهبًا مستقلًا باعتبار ما توافر له من أدلة وقوانين (أصول) ؛ فقسّم كتابه في ضوء ذلك على خمسة مذاهب ـ أو كما يسميها في الغالب: مدارس ـ هي: (البصرية، والكوفية، والبغدادية، والأندلسية، والمصرية والشامية) . ومع أنه يقرّ أن سماع المدارس الثلاثة الأخيرة محكوم بسماع المدرستين الأولى والثانية الرئيستين؛ فلم يبقَ لديه مايفرّق به بين هذه المذاهب أوالمدارس المزعومة إلا ما انتخبت هي من قواعد المذهبين البصري والكوفي، والتي جاءت نتيجة لسماعهما عن الأعراب ممن يُعدّ مصدرًا للغة الفصيحة. ولم يكن الدكتور عبد الفتاح الدجنّي مبتدعًا في ذلك، فكل من قال بوجود هذه المدارس المزعومة ـ كما سيأتي ـ استند في تبرِّير رأيه على ما كان لعلماء هذه الأمصار من تحرر في الاجتهاد وانتخاب من القواعد؛ لا على أساس ماتهيأ لهم من استقراء ومشافهة (سماع) . فلا يخفى أن هذا الانتخاب مقصور على القواعد والقوانين دون الأدلة فقد غُلق باب السماع دونهم، فجعل الدجنّي ـ مثله مثل غيره من العلماء ـ أساس القول بوجود هذه المدارس ما أتاح لهم الانتخاب من وفرة في القواعد المتحصلة عن قواعد المذهبين، فخلط بذلك الأصل (الدليل) الذي اعتمده في التفريق
بين المذهبين البصري والكوفي ـ (( خلاف علمي .. جاء نتيجة طبيعة لاختلاف الأصول والأخذ معًا ) )ـ بالأصل (القاعدة) الذي دعاه للقول بمذاهب مزعومة لاأساس لها.
ومهما يكن من شيء فإن أصول النحو شيء وأصول الأبواب شيء آخر، إذ الأدلة غير القوانين، فإن نُسبت تلك الأصول إلى الأبواب؛ نُسبت هذه الأدلة إلى العلم (أدلة الصناعة) . ولهذه الأدلة صفة العموم، يطرقها النحاة على اختلاف مناهجهم وانتماءاتهم المذهبية، ثم تتباين نتائجهم (قواعدهم
(1) ينظر: المصدر نفسه: 241.
(2) المصدر نفسه.
(3) الأصول (لتمام حسان) : 209.