قال: (( وغلب أهل الكوفة على بغداد، وحدثوا الملوك فقدموهم، ورغب الناس في الروايات الشاذة، وتفاخروا بالنوادر، وتباهوا بالترخصيات، وتركوا الأصول، واعتمدوا على الفروع فاختلط العلم ) ) [1] . يوحي ظاهر قول أبي الطيب بالتناقض ولا تناقض، فليس المراد من قوله: (( تركوا الأصول ) )أنهم تركوا المسموع، كيف؟ وقد قدّم أنهم رغبوا بالروايات وقبلوا كل مسموع حتى تفاخروا بالشاذ والنادر وتباهوا بالترخيصات. ولايريد أنهم تركوا الأدلة جملةً، فلا يستقيم ذلك. إنما المراد بقوله: (( تركوا الأصول ) )أنهم تركوا القواعد العامة التي يضبط البصريون بها هذا المسموع، فجعلوا لأنفسهم أصولًا جديدة غيرالتي عليها البصريون؛ قبلوا في ضوئها الشاذ والنادر، فكثرت رخصهم على وفق أصولهم، فما يعدّه البصريون فرعًا (( واعتمدو على الفروع ) )لايعدّه الكوفيون كذلك (كله أو كثيرًا منه) .
وحكى السيوطي نقلًا عن الأندلسي قوله في أصول الكوفيين: (( الكوفيون لو سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا وبوّبوا عليه بخلاف البصريين ) ) [2] . لايريد: مخالف للمسموع جعلوه مسموعًا، ولايريد: مخالف للأدلة جعلوه دليلًا، دليلًاعلى مإذا؟ فالشاذ دليلٌ وإن كان شاذا، فهو دليلٌ على شذوذه في بابه، وكونه دليل شذوذ لايمكن أن يكون دليل اطراد؛ إذ لايتسأوى الشذوذ والاطراد بحال إلا إذا جعلنا دليل الشذوذ أصلًا يُقاس عليه كما أن المطرد أصلٌ يُقاس عليه، فإن اتفق أن الشاذ دليل شذوذه كما أن المطرد دليل اطرده فليس دليل الشذوذ مخالف لدليل الاطراد كونهما دليلان، إنما هما متخالفان من قبل مَنْ يأخذ بهما، فما يعدّه الكوفيون أصلًا لايعدّه البصريون كذلك، إذًا فهو يريد مخالف للضوابط البصرية التي تعتمد على الاطراد والكثرة وليس مخالفًا للأصول الكوفية التي لاتتقيّد بهذه الكثرة، لذا جعلوه أصلًا من أصولهم وضابطًا من ضوابطهم المنهجية وبوّبوا عليه بخلاف البصريين.
تتحدد علاقة هذه الأصوال بالأدلة النحوية والقواعد المتحصّلة عنها بأنها حلقة الوصل الفكري بين الأدله وأحكامها، لذا فهي ترسم حدود عقيدة المذهب إزاء الظاهر النحوية، فعلاقتها بالأدلة النحوية ـ كما تقدم ـ هي علاقة توجيه وضبط، إذ تعمل هذه القواعد العامة على تنظيم الإطار العام لأنواع الاستدلال بهذه الأدلة، أما علاقتها بقواعد الأبواب فعلاقة العام بالخاص، فللقواعد العامة وجه العموم، إذ يمكن الاستدلال بها في أكثر من باب نحوي بخلاف القواعد الخاصة (قواعد الأبواب) التي تحدد صلاحيتها في أبوابها، فالعلاقة بين القاعدتين العامّة والخاصة ـ كما وصفها الدكتور تمام حسّان ـ علاقة الدستور بالقانون؛ فالأول عام والثاني خاص [3] ، (( وقد أصبحت هذه القواعد معاييرَ لأفكارهم ومقاييسَ لأحكامهم وآرائهم التي يأتون بها فيما يتصل بمفردات المسائل. وبهذا نعلم أن النحويين حين كانوا يبدون آرائهم في المسائل لم يكونوا يصدرون عن موقف شخصي أو ميل فردي أو ذكاء حرّ، إنما
(1) الاقتراح: 129.
(2) الأصول (لتمام حسان) : 209 ـ210.
(3) ينظر: المصدر نفسه.