كانوا يقيدون أنفسهم بهذه القواعد العامّة. ويجتهد كل منهم في العثور على القاعدة التي تنطبق على المسألة التي يتصدى لها فيصدر رأيه مطابقًا لهذه القاعدة. فإذا اختلف النحويان في المسألة الواحدة فذلك خلاف في اختيار القاعدة التي انبنى حكمه في ظلها، فقد يعتمد أحدهما في اصدار رأيه على قاعدة، ويرى الآخر أن قاعد أخرى هي أكثر انطباقًا على هذه المسألة بعينها )) [1] . فإذا كان اختلاف قواعد الأبواب ناتج عن اختلاف هذه الأصول العامّة، فلا يعني أن الخلاف حول قواعد الابواب يؤدي إلى إختلاف الأصول العامّة أو الخلاف حولها، وهذا من الأخطاء التي درجت عليها أغلب الدرسات الحديثة، ولاسيما التي تؤمن بتعدد المدارس النحوية، أو قل المذاهب النحوية باعتبار ماتوفر لها من قواعد وقوانين تخصّ الأبواب النحوية ولاعلاقة لها بالمنهج أومايضبطه قال الدكتور تمام حسان: (( إن الخلاف حول المسائل لاينهض مبررًا لدعوى وجود مدرستين نحويتين، لأن البصريين فيما بينهم يختلفون حول المسائل تأويلًا وتخريجًا ولكن الأصول واحدة. ومن ثم يكون مجرد الخلاف حول المسائل بين البصريين والكوفيين أبعد مايكون عن الدلالة على اختلاف المدرستين ) ) [2] . ثم قال (( .. الخلاف حول الأصول كما يُفهم من سياق كلامنا هو المحك الوحيد لدعوى وجود مدرستين نحويتين إحداهما مدرسة البصرة والاخرى مدرسة الكوفة ) ) [3] إذا فالحدّ والقول الفصل في وجود المدرسة النحوية (المذاهب النحوية) هو ما تسند إليه من أصول (ضوابط منهجية) تستقل بها عما سواها، وهذه الاستقلالية لاتتحقق مالم يكن هناك قدر من الخلاف حول الأصول المعتمدة من قبل كل فريق أزاء أصول الفريق الآخر.
لعل غياب المعنى الحقيقي للأصول العامة التي تخص المذهبين البصري والكوفي عن الدراسات الحديثة سوّغ لدى الكثير من الباحثين إلتماس أصول مبتدعة لمدراس (مذاهب) موهومة لا أصول لها على أرض الواقع، كالذي ذهب إليه الدكتورصابر بكرأبو السعود ـ ومن قبله كثير من العلماء كما سيأتي ـ الذي يرى أن أفق الخلافات النحوية بين البصريين والكوفيين توسعت كثيرًا، ثم (( ما لبثت هذه الخلافات أن تحوّلت إلى مناهج تفكير في النحو العربي وهو ما صدر عن خلاف في المدارس والمذاهب بين الكوفيين والبصريين، ثم بين المدارس الأخرى، وأساس هذه الخلافات أن كل مدرسة إعتمدت على أصول بعنيها ) ) [4] . ولكننا لانعلم أي الأصول التى إلتمسها لدى علماء الأمصار فجعلها بازاء أصول البصريين والكوفيين. قال الدكتور فاضل صالح السامرائي: (( إن هناك مسائل خلافية كثيرة ذكر إبن الانباري منها في كتاب(الانصاف) (121) مسألة عدا مالم يذكره، ومالم يذكره كثير، فما المسائل
(1) المصدر نفسه: 41.
(2) المصدر نفسه: 42.
(3) في نقد النحو العربي: 117.
(4) الدراسات النحوية واللغوية عند الزمخشري: 315.