الخلافية التي تعتمدها مدرسة بغداد؟ )) [1] . وماهي المسائل التي تعتمدها غيرها من المدارس؟ وقد تقدم القول في ضعف الأساس الذي إنبنت عليه نظرية المدارس النحوي في الأمصار العربية، وأوضحنا الفرق بين قوانين الأبواب الأصول، وبين قواعد التوجيه العامّة الأصول، ولايصح لأحد أن يستعيض عن هذه بتلك، وقد أوحت عبارة الدكتور صابر بكر بمثل ذلك، وهذا تسامح في اللفظ يصعب مرتكبه هاهنا على مافرقنا.
ولازال لفظ (الأصل) يُغري بكل من جعله معيارًا للقول بوجود المدارس أو نفيها مالم يُراعِ الحدّ فيه. وممن وقع في هذا التسامح الدكتور إبراهيم السامرائي وقد ذهب إلى أنك (( لاتجد أن جمهرة النحاة بصريين وكوفيين وغيرهم قد اختلفو في أصول هذا العلم، ولم ينطلق هؤلاء من أفكار متعارضة، ولكنهم قد اختلفوا في مسائل فرعية تتصل بالتعليل والتأويل، فكان لهؤلاء طريقة أو مذهب ولأولئك طريقة أومذهب آخر، وقد يكون الاختلاف بين بصري وبصري كما كان كوفي وكوفي آخر، ولاتعدم أن تجد بصريًا قد وافق الكوفيين وكذلك العكس ) ) [2] . ولانعلم كيف يكون لكل طرف منهما طريقة أو مذهب ولايكون لكل منهما أصوله الخاصة!، ثم مالسائل (الفرعية) التي إختلفوا فيها؟ والمسائل (الاصول) التي إتفقوا عليها؟ بل ما المراد من قوله: (( أصول هذا العلم ) )إذ لم تسعف القرائن في تفسير هذه العبارة، فان كان يريد قوانين الابواب أو قواعد التوجيه المنهجية فهذامحال على جهته؛ فقد وقع الخلاف في كليهما، والدكتور إبراهيم السامرائي أول من يُقرّ بذلك، وإن حأول خلافه [3] ، وإن كان يريد: (أدلة النحو) فكيف يقع الخلاف فيها؟ فهل يُعقل أن الدكتور إبراهيم السامرائي أراد هذا الوجه [4] !؟ أو لعله أراد التوفيق بين عبارة: أصول النحو (أدلة النحو) ؛ وعبارة: أصول المذهب (قواعد التوجيه) بقوله: (( أصول هذا العلم ) )، فنحن لانرميه بالتخطئه ولكن إذا عدم الوجه فليس لنا إلا أن نسأل ونتأول.
وحتى لا تتداخل علينا الدلالات التي يخرج إليها لفظ (الأصل) ، فنستطيع التفريق بين الاصول المنسوبة إلى البصريين والكوفيين وبين الأصول المنسوبة إلى غيرهما في الأمصار العربية؛ بات من المهم أن نشير إلى أن الاعتبار بالقرنية المضافة إلى لفظ (الأصل) هو الحدّ بين هذه الدلالات المتباينة ذات اللفظ المشترك إذا ماأُريد التفريق بينهما، فاالمراد من (أصول النحو) غير المراد من (أصول المذهب) أو (أصول الابواب) ؛ فلفظ (الأصل) إذا أُضيف إلى لفظ (النحو) أفاد الدلالة على معنى أدلة النحو وحججه، وهذه الأدلة قد إنعقد الإجماع حولها، وإن إختلف النحاة في تطبيقها.
(1) المدارس النحوية (السامرائي) : 12ـ 13.
(2) ينظر: المصدر نفسه:146.
(3) ينظر: المصدر نفسه: الفصل الأول والثاني (15ـ 59) .
(4) الأصول (لتمام حسان) : 250.