الصفحة 198 من 416

ومتى أُضيف لفظ (الأصل) إلى لفظ (المذهب) أُريد به القواعد العامّة التي هي أسسه الفكرية في توجيه الأدلة وكيفية التعامل معها أو بها أزاء الظاهرة النحوية، ولهذه الأصول وجه العموم، فالأصل منها لايتقيد بباب نحوي معين، إذ يقع العمل بها في أكثر من باب نحوي. وعلماء المذهبين البصري والكوفي إن اشتركوا في قسم منها كانوا قد اختلفو في قسمها الآخر، وكان لكل مذهب منهما أصوله الخاصة به بغض النظرعن الأصول المشتركة بينهما، فهذه الأصول فضلًا عن كونهما تُعدّ أحد أهم المعايير الرئيسة المتبعة في الأعمال النقدية مع علماء المذهب وعلماء المذهب الآخر، فهي الفارق الوحيد والمسوّغ الأساسي للقول بوجود المذهب وتحقيق استقلاليتة عما سواه من مذاهب وإتجاهات، وإن اللجوء إلى الأدلة أوالقوانين الخاصة بالأبواب للقول بوجود المذاهب وتحقيق استقلالتيها بدعوى أنها أصولًا كذلك؛ فدعوى باطلة لاتستند على أساس علمي؛ وقد سلف

(( أن قواعد التوجيه غير قواعد النحو ) ) [1] .

ومتى أُضيف لفظ (الأصل) إلى لفظ (الباب) دلّ على القواعد والقونين الخاصة بمسألة معينة، ولهذه القواعد (الأصول) وجه الخصوص؛ إذ هي مختصّة في أبوابها التي شُرِّعت فيها، وقد وقع الخلاف في كثير منها بين علماء المذهب تسابقًا منهم للتوفيق بينها وبين أصول المذهب (ضوابطه المنهجية) ، والخلاف حول هذه القواعد لايشبه الخلاف الذي يقع بين علماء المذهبين حول القواعد العامّة. إذا فاختلاف القواعد الخاصة قد يكون ناشئًا عن إختلاف القواعد العامة كنتيجة متحصّلة عنها، وقد لايكون كذلك، وبعبارة أخرى فأن إختلاف القواعد العامة ليس كاختلاف القواعد الخاصة من كل وجه وإن كانت هذه تعبيرًا عن تلك. وعلى هذا التحديد تكون المعأورة بين هذه العبارات بدعوى إشتراكها في اللفظ أمر لايصح لاختلافها في المضمون.

المذهب النحوي، مفهومه، وأسس تكونيه:

بعد أن اتضحت أمامنا الفوارق الجوهرية التي إنمازت بها دلالات لفظة (الأصل) بعضها عن البعض الآخر باعتبار قرينتها، وعرفنا أيّها تكون أحق دلالة في التعبيرعن إستقلالية المذاهب النحوية عما سواهما من إتجاهات ومناهج باعتبار ماتوفر لها من تلك الأصول؛ لا بد لنا هاهنا من أن نرسم بعدًا نظريًا لهذه الكيانات العلمية مستمدًا من واقع النحاة، لنقرر بموجب هذا البناء النظري حقيقة وجودها (أي المذهب) في الدرس النحوي؛ فنستطيع من خلال ذلك الحكم على تلك التجمعات العلمية التي توالت على هذا الدرس أوعلى هذا العلم؛ ونرى أيّها يكون الأقرب إلى هذا الوصف والأحق به.

بدءًا إن المذهب لغةً هو: (( المُعتقد الذي يُذهب إليه والطريقة والأصل ) ) [2] . إذًا فلفظ (المذهب) في ضوء تعريفه اللغوي يُراد به ثلاث دلالات، هي:

(1) المعجم الوسيط: مادة (ذهب) .

(2) الإيضاح في علل النحو:41.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت