الدلالة الأولى: (المعتقد) ، والمعتقد والعقيدة وإن غلبًا على الأبحاث الشرعية اصطلاحًا فهذا لاينفي وجوده في علوم اللغة، فكل ما يُعتقد ـ من مسألة أو رأي أو منهج ـ فهو مُعتقد. قال الزجّاجي في الباب الأول من كتابه (الإيضاح في علل النحو) ـ وهو في (أقسام الكلام) ـ: (( نبدأ بما يُسأل عنه أصحاب سيبويه ... يُقال لأصحابه وسائر من اعتقد هذا المذهب ... ) ) [1] .
الدلالة الثانية: (الطريقة) ، والطريقة هي المنهج الذي تبلغ به معتقدك، ولعلها إن سُمِّيت بذلك فلأنها تدل على المعتقد الذي يُذهب إليه، كما يدلّ هو على الطريقة المتبعة فيه، فإذا قيل: (على مذهب البصريين) عرفت بذا اللفظ عقيدتهم، وذُكِّرت بطريقتهم. قال الدكتور إبراهيم السامرائي: (( قد تكون كلمة مذهب أُطلقت على الطريقة التي سار عليها أحد النحاة كما قالوا مثلًا: ومذهب سيبويه، أو كقولهم: ومذهب الأخفش والفرّاء .. ) ) [2] ، ثم قال: (( إن المذهب هو الطريقة ) ) [3] .
الدلالة الثالثة: (الأصل) ، فالعالم إذا عُرف بطريقة واشتُهر بمعتقد صارا كأنهما أصلًا له، فكما يُقال: (حنبلي) منسوب إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل (رحمه الله تعالى) ؛ يُقال: (بصري) منسوب إلى مذهب البصريين، قال عزالدين ابن الأثير الجزري: (( وكثيرًا مارأيت نسبًا إلى قبيلة أو بطن أو جد أو بلد أو صناعة أو مذهب .. ) ) [4] .
إذًا فالمذهب بهذه المعاني ـ ولاسيما المعنيين الأول والثاني، لأنهما أساس هذه المعاني ـ حالة اجتهاد خاصة؛ لها غاية (معتقد) ، ووسلية (طريقة ومنهج) . قال صاحب (التعريفات) : (( .. وقيل: الفرق بين الدين، والملّة، والمذهب: أن الدين منسوب إلى الله تعالى، والملّة منسوبة إلى الرسول(- صلى الله عليه وسلم -) ، والمذهب منسسوب إلى المجتهد )) [5] .
وقد شاع في اصطلاح النحاة للفظ (المذهب) معانٍ عديدة جاء بعضها طبقًا لوصفه اللغوي، ومن تلك المعاني:
1ـ المعتقد أوالعقيدة، قال إبن درستويه رادًا على ثعلب في كتابه (تصحيح الفصيح) : (( فمن ذلك قوله: سخِرتُ منه، وهزئِتُ به، ومن مذهبه ومذاهب كثير من أهل اللغة أن حروف الجر تتعاقب ) ) [6] ، أي أن هذا في معتقده ومعتقد كثير من أهل اللغة أن حروف الجر تتعاقب، وقد جرى التنبيه على هذه الدلالة.
(1) المدارس النحوية (السامرائي) : 13.
(2) المصدر نفسه.
(3) اللباب في تهذيب الأنساب:1/ 7.
(4) التعريفات: 87.
(5) تصحيح الفصيح:330، وانظر:331.
(6) المقتضب:3/ 49.