الصفحة 214 من 416

أما الدكتورة خديجة الحديثي فكأنها إنتهت إلى النتيجة نفسها، ورأت أن نحاة البلدين (البصرة والكوفة) لم يطلقوا على أنفسهم تسمية (المذهب) ، وإن أول من إستعمل هذا المصطلح هوأبو بكر الزبيدي في كتابه (طبقات النحويين واللغويين) . قالت: (( ومن هنا يتضح أن الزبيدي كان أول من قسّم النحاة إلى مجموعات بحسب البلدان التي عرفوا بها، وكان أول من استخدم عبارات:(مذهب الكوفيين) و (مذهب البصريين) و (المذهبين) ويريد بذلك أن النحوي متابع لآراء نحاة الكوفة، أو لآراء نحاة البصرة أو لنحاة المدينتين )) [1] . ومن النصوص التي إستشهدت بها الدكتورة خديجة الحديثي ـ كدليل على حكمها هذا ـ قول الزبيدي في مذهب إبن كيسان، ونصّه: (( وكان بصريًا كوفيًا يحفظ القولين. ويعرف المذهبين، كان أخذ عن ثعلب والمبرد، وكان ميله إلى مذهب البصريين أكثر، وكان أبو بكر بن الانباري شديد التعصّب على إبن كيسان والتنقص له، وكان يقول: خلط فلم يظبط مذهب الكوفيين ولامذهب البصريين ) ) [2] . يرى الباحث بكل تواضع أن هذين الرأيين ـ رأي الدكتور السامرائي والدكتورة الحديثي ـ لم يستندا إلى بحث علمي دقيق، فالدكتورة خديجة الحديثي قصرت إستقرائها لهذا المصطلح على كتب التراجم والطبقات دون غيرها من المؤلفات النحوية، ولم أقف على تسويغ ذلك، فضلًا عن ذلك فإنا إن عُدنا إلى النص الذي إستشهدت به الدكتورة خديجة الحديثي من (طبقات الزبيدي) نجد أن الزبيدي إنما كان يروي قول إبن الانباري الكوفي في حق إبن كيسان وليس هو من قول الزبيدي، هذا يعني أننا تحققنا من أن مصطلح (المذهب) منسوبًا إلى علماء البلدين إستُعمل قبل الزبيدي بحوالي خمسين سنة، فالانباري الكوفي متوفى سنة (228هـ) ، أما الزبيدي فتوفي سنة (379 هـ) . فضلًا عن ذلك فإن هذا الحكم مبنيٌّ على إستقراء ناقص، فالسيرافي (368هـ) سبق الزبيدي إلى هذا المصطلح في كتابه (أخبار النحويين البصريين) . قال في خبر الزجاج وإبن كيسان ومرتبتهما: (( غير أن أبا إسحاق كان أشد لزومًا لمذهب البصريين، وكان إبن كيسان يخلط المذهبين ) ) [3] . وكان لدى شرحه كتاب سيبويه يسمي مذهب البصريين بـ (( مذهب الجماعة ) ) [4] ، بل إن نحاة بغداد (بصريين وكوفيين) كانوا يلجأون إلى هذا المصطلح قبل الزبيدي وبكثرة كالزجاجي؛ (ت337هـ) [5] و ومن قبله شيخه إبن السرّاج (ت 316 هـ) . قال في كتابه (الأصول .. ) : (( والقياس على مذهب الكسائي: عندي الخمسة الالف الدرهم، فيجعل الخمسة مضافة إلى الألف، والألف مضافة إلى الدرهم، وذاعندنا لايجوز، وتقول على مذهبهم: عندي الخمسة العشر الألف الدرهم ) ) [6] . فقوله: (( على مذهبهم ) )

(1) طبقات النحويين واللغويين: 170ـ 171.

(2) ينظر: أخبار النحويين البصريين: 113.

(3) ينظر: شرح كتاب سيبوبه للسيرافي: 1/ 121، وقد كرر السيرافي إستعمال هذا المصطلح في هذه الصفحة مرتين.

(4) ينظر كتابيه: اللامات: 42،53،179، والايضاح في علل النحو:41، 45، 56، 60، 63، 72،80.

(5) الأصول في النحو:1/ 325، وانظر قوله:1/ 305

(6) الانتصار لسيبويه على المبرد: 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت