فهرس الكتاب
كناية صريحة عن المعنيين بها (مذهب الكسائي) ولايهمّ أنها هنا لم تُضف إلى إسم البلد مادامت هذه الصيغة تفي في التعبير عن إستقلالية العقيدة والمنهج والرأي لمجموعة محددة من العلماء، وقد نحا نحو ذلك بعض نحاة الأمصار ممن أخذ عن نحاة بغداد وتلّمذ عليهم كإبن ولاّد التميمي (ت 332هـ) ، قال في المسألة (11) من مسائل (الانتصار .. ) رادًا على المبرد ومنتصرًا لسيبويه فيها: (( فان أجازـ أي المبرد ـ ذلك فهو نقض لجميع مذهبهم ـ أي البصريين ـ ولهذه الأبواب التي وافقوه ـ أي سيبويه ـ عليها وسلموها إليه وعملوا مسائلهم بها ) ) [1] ، وكان يُكنّي عن مذهب البصريين بـ (( مذهب الجماعة ) )على نحو ماكان يفعل السيرافي في شرحه على الكتاب؛ وإن كان إبن ولاّد الأسبق في ذلك. قال: (( فالرفع الوجه في مذهب الجماعة ومذهب محمد بن يزيد ) ) [2] . بل وجدت أن بعض نحاة البلدين أنفسهم يلجأون إلى هذا المصطلح، فقد جاء في (مجالس ثعلب) قوله: (( وقال أبو العباس [ثعلب] : قال أهل البصرة: ما عبد الله قائمًا، مشبّه بليس، وإذا جاز ذا المعنى ردّوه إلى الأصل، فقالوا: ماعبدالله إلا قائمٌ، وقائمٌ عبدالله. هذا مذهبهم، فأما: ما قائمًا، فليس يلزمهم ) ) [3] . بعد هذا يكون من المعقول جدًا أن يشيع ذا المصطلح لدى تلاميذ ثعلب من البغداديين إذا سبق هو إلى إستعماله، بل لانجاوز الحقيقة إذا قلنا إن أقران ثعلب من الكوفيين أوالبصريين عرفوا هذا المصطلح وتعاملوا به، إذا كان المقصود من وراء إستعماله وصف جماعة من النحاة تنهج نهجًا واحدًا وترى رأيًا واحدًا، وهذه المجموعة بلاشك وجدت قبل ثعلب وأقرانه. أما الدكتور مهدي المخزومي فقد ذهب إلى خلاف ذلك؛ إذ رأى أن اللجوء إلى مصطلح (المذهب) جاء بعد أن استقرت تسمية البصريين بالبصريين على يدّ المبرد، وعنه أخذ تلاميذه من البغداديين، وتسمية البغداديين كالكسائي والفرّاء وثعلب بالكوفيين تمييزًا لهم عن البصريين النازلين ببغداد. قال: (( واستطاع المبرد أن يثبّت قواعد مذهب البصريين في بغداد، وأن يميّز مذهبه عن مذهب منافسه [ثعلب] بتسمية مذهبه بالبصري، وعمل على تثبيت هذه التسمية بنشر فضائل المذهب وشيوخة القدماء، فصنّف كتابًا سمّاه: طبقات النحويين البصريين. وإذا أشاع المبرد هذه التسمية، واستطاع أن يفرضها، ويثبّتها في أذهان الدارسين كان تلاميذه وأصحابه يعتزون بها وينتصرون لها، من هنا أنشأوا إسم الكوفيين تمييزًا لأنفسهم من خصومهم ? ولم تكن هذه التسمية إلا من صنع تلاميذ المبرد المتحمسين لمذهب البصريين، ثم انسحب هذا الاسم على أوائل الدراسين البغداديين الكسائي والفرّاء وأصحابهما ? ولم يُسمِّ تلاميذ المبرد خصومهم بالبغداديين، لأن هذا الاسم ينسحب عليهم لأنهم بغداديون أيضًا. وتسمية تلاميذ ثعلب الذين لازموا مذهبه بالكوفيين تميّز رجال هذا الجيل بعضهم عن بعض ) ) [4] . ونحن لا نخالفه في تعليله تسمية البغداديين بالكوفيين أو البصريين
(1) المصدر نفسه: 123.
(2) مجالس ثعلب: 8/ 354.
(3) الدرس النحوي في بغداد: 226 ـ 227.
(4) ينظر: الإيضاح في علل النحو: 72.