الصفحة 216 من 416

بالبصريين، لكننا لا نوافقه على أن استعمال لفظ (المذهب) جاء على عقب إستقرار إسم البلد على هذه الجماعة أو تلك الفئة، والذي نرضاه هو أن لفظ (المذهب) كان يُعبّر به عن مجموعة من العلماء تتحد في العقيدة والنهج عند ثعلب وربما عند من سبقه، ولا يهم إن كان يُقرن باسم البلد حينًا ويتجرد عنه في أحيان أخرى، فلفظ (المذهب) لم يقترن بإسم البلد لدى ثعلب وإبن السرّاج ـ كما رأينا ـ ومع هذا فأنت لاتجد فرقًا بين أن يصرّح الزجاجي باسم المذهب منسوبًا إلى البلد وهو يريد عقيدة أهله فيقول: (( مذهب البصريين ) ) [1] وبين قول ثعلب وهو يطلب المعنى ذاته من غير أن يضيف هذا اللفظ إلى إسم البلد فيقول: (( هذا مذهبهم ) ). أو قول إبن السرّاج: (( على مذهبهم ) ). ومع هذا وذاك فان تجاهل مصطلح (المذهب) لا ينفي حقيقة وجوده، كما أن اللجوء إلى هذا المصطلح في التعبير عن كيانات مزعومة لا يحقق وجودها، كالذي ذهب إليه الدكتورعبد القادر رحيم الهيتي في كتابه (خصائص مذهب الأندلس النحوي خلال القرن السابع الهجري) والبحث العلمي أبى أن يُنسب إلى الأندلسيين أوغيرهم مذهبًا نحويًا أساسًا، ولم يكن لهم ذلك في يوم من الأيام، فكيف ينسب الدكتور الهيتي لهم مذهبًا في القرن السابع الهجري!؟ ولعله أراد بذلك أن لهم مذهبًا آخر في القرن السادس غير الذي هو بصدده!.

إن مصطلح (المذهب) وإن ظهر متأخرًا نسبيًا عن عهد سيبويه فلا يعني أن النحاة جهلوا كيان المذهب، فقد تعامل النحاة مُذ عهد سيبويه على أساس ما يربط بعضهم بعضًا من عقيدة ومنهج وآراء ومصطلحات، وإن علماء البصرة والكوفة إن عزفوا عن هذا المصطلح فلا يعني ذلك نكرانًا منهم لظاهرة التمذهب أو لجهلهم بها. فكيف يجهلون قضية التمذهب وهم يعرفون (النحوي الإمام) و (الرئيس) ؟ فهذا أبو الطيب اللغوي ـ كما مرّ بنا ـ جمع مشاهير العلماء والرؤساء منهم في مراتب معلومة، قال عنها وعنهم: (( فهذه جملة يُعرف بها مراتب علمائنا، وتقدمهم في الأزمان والأسنان

ومنازلهم في العلم والرواية )) [2] ، فذكر أئمة البصريين ومقدميهم، ومَنْ يعدّهم الكوفيون كذلك.

وعرفوا النحوي (القدوة) و (الحجّة) ؛ (( فان أبا عثمان قدوة وحجّة ) ) [3] ، وقال الزجاجي عن إبن كيسان وإبن شقير وإبن الخياط: (( هؤلاء قدوة أعلام في علم الكوفيين ) ) [4] ، وجاء في (رسالة الإفصاح) لإبن الطراوة، قال في موضع منها وهو يرد على أبي علي النحوي: (( فان كان سيبويه ممن يُقتدى به إقتصر [الرد] عليه، وإن كان بخلاف ذلك وجِّه الرد إليه ) ) [5] ، هكذا فهمها الأوائل وعنهم التالون وكانوا يسمّون هؤلاء الأعلام القدوات بـ (( أهل التحقيق ) ) [6] تمييزًا لهم عن غيرهم

(1) مراتب النحويين: 102.

(2) المصنف: 530.

(3) الإيضاح في علل النحو: 79.

(4) رسالة الإفصاح: 39.

(5) ينظر: الإنصاف (مقدمة المؤلف) : 1/ 5، وملك النحاة حياته وشعره ومسائلة العشر: 99.

(6) ينظر: الفصل الأول من الباب الأول من هذا البحث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت