الصفحة 220 من 416

كتاب سيبويه على إبن الجد فما عليه ألاّ يقرأه على سيبويه )) [1] ، ولذا نجد سيبويه عالمًا إعترف بعلمه القاصي والداني حتى من قبل الذين تصدوا لكتابه بالنقد كالمبرد ـ كما تقدم بنا ـ وابن الطراوة، وهو ممن تعرّض لكتاب سيبويه بكتاب سمّاه (المقدمات) سبق ذكره في ترجمته، ومع ذلك جاوز رأيه في سيبويه وكتابه هذا النقد، إذ قال فيهما: (( قد وضع الحق وأصّله، وبيّن الواجب في العلم وغيره من المعارف وأثبته، ثم حأول في التمثيل مايكون يكثر دوره ويقرب مأخذه، غير ناقض لما أصّل ولا راجع عمّا قدم ) ) [2] . وهذا دليل على أن الخلاف يجب ألاّ يوزن بميزان واحد ولا تحمل مخالفة المبرد ـ أو غيره من علماء البصرة ـ لسيبويه على خلاف الكوفيين له، فهم وحدهم أو كثير منهم لم يروا في كتاب سيبويه مارآه فيه غيرهم، ولعلهم رأوا فيه ما يستحق هذا التقدير ولكنهم أبوا إلا المخالفة، فبين من ينعته بأنه جنّي من الجن، وبين من ينسب الكتاب لغيره، وكلهم قرأوه خلسة نكرانًا لفظله، وحياءً مما هم فيه [3] ، وهذا الموقف طبيعي جدًا ممن يخالف أصول سيبويه ويرفض منهجه، فخلاف الكوفيين له خلاف لارجعة فيه ولاهوادة. أما ما زُعم (( أن الخلاف بين سيبويه والمبرد كان عميقًا ويعود إلى إختلاف المنهج والخط الفكري في كثير من الأحيان ) ) [4] ، فقول لا أساس له، وقد أثبتنا ذلك وبالدليل من خلال تحليلنا لمسائل (المبرد على سيبويه) وقد اتضح بما لايدع مجالًا للشك أن شطرًا مما أخذ المبرد على سيبويه لم تكن أخطاء فكرية، إنما هي أخطاء فنية تتعلق بمنهج سيبويه في عرض مادة الكتاب وتنظيمها وتبويبها، وما يتصل بأخطاء العبارة والأسلوب ونحوها، أما فيما يتعلق بمسائل السماع، فسيبويه أوثق من أن يطعن فيه المبرد [5] ، وأما القياس فالاختلاف في النظر أمر بديهي حتى وإن إتفق المتخالفان على أصول واحدة؛ لانهم إنما يختلفون حول القاعدة التي تنطبق على هذا الأصل أو ذاك، ولا يفوتنا أن المسائل التي جاء بها المبرد لم تكن له وحده، إنما كان بعضها لكبار علماء البصرة، جمعها المبرد في كتابه ورددها عنهم، ثم إنه بنى طائفةٌ من أحكامه على تجنٍ واضح وعصبية مبيتة، ويكفي أنه تراجع عن أغلب مؤاخذاته الفكرية، لاسيما مايتعلّق منها بقضايا السماع والقياس. قال إبن جنّي: (( وأما ما تعقّب به أبو العباس محمد بن يزيد كتاب سيبويه في المواضع التي سمّاها مسائل الغلط، فقلّما يلزم صاحب الكتاب منه إلا الشيء النزر، وهو أيضًا ـ مع قلّته ـ من كلام غير أبي العباس ) ) [6] . وهذه سيرة المبرد تجد فيها الكتب تلو الكتب، ما هي إلى شروحًا كان قد وضعها على الكتاب، ولم يزل يسبح في فلك سيبويه حتى في مؤلفاته الأخرى الخاصة كالمقتضب، بل إن مسائل المقتضب عيال على

(1) رسالة الإفصاح: 32.

(2) ينظر: سيبوبه إمام النحاة:121ـ 122.

(3) البحث اللغوي عند العرب: 125.

(4) ينظر: المدارس النحوية (ضيف) : 63.

(5) الخصائص: 3/ 287، وانظر: الشاهد وأصول النحو: 319.

(6) أبو زكريا الفرّاء ومذهبه في النحو واللغة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت