فهرس الكتاب
لها وظبط أصولها، على نحو يعزّ نظيره في الأولين والآخرين: شمول إحاطة، وبراعة أستاذية، وسلامة تحليل، وصدق نظر، وصحة حكم )) [1] .
لاشك أن إمارات المذهب البصري الذي وضع أسسه سيبوبه في كتابه تكمن فيما اعتمد من منهج في دراسة الظواهر النحوية وكيفية التعامل معها، ثم المصطلحات التي تعامل بها في هذا الكتاب، فضلًا عن الأصول المعتمد فيه، والتي توضح موقفة من المسائل التي إختلف فيها مع علماء المذهب الكوفي. أو التي خالفه عليها الكوفيون فيما بعد. ونحن إذ نقرّ بأن سيبويه أفاد من معارف العلماء قبله لاسيما شيخه الخليل فلا يعني ذلك أن كتاب سيبويه كان عالّة على الكتب التي أُلفت قبله. إن أخطر شبهتين أُثيرت حول كتاب سيبويه هما: قول ثعلب وقد نسب الكتاب إلى نيّف وأربعين عالمًا إجتمعوا على وضعه كما تقدم بنا، وما رواه القفطي في (إنباه الرواة) قوله: (( ويُقال أن الجامع [لعيسى بن عمر] هو كتاب سيبويه زاد فيه وحشاه وسأل مشايخه عن مسائل منه أشكلت عليه فذُكرت له فأضافها ) ) [2] و (الجامع) ، و (الاكمال) معه ـ وهما كتابا عيسى بن عمر ـ لم يكونا إلا بابين من أبواب النحو [3] ، قال أبو الطيب اللغوي: (( وألّف عيسى بن عمر في النحو كتابين: كتابًا مختصرًا، وكتابًا مبسوطًا؛ فسمى أحدهما الإكمال، والآخر الجامع ) ) [4] ، فكيف يُغير سيبويه على بابين فيخرج لنا بعشرات الأبواب؟ علمًا أن سيبويه لم يروِعن عيسى بن عمر إلا في (22) موضعًا [5] فكيف يستقيم ذلك؟ إن هي إلا شُبهة أُثيرت ليس لها من الصدق شيء. أما عن الخليل وعلم الخليل في الكتاب، فلابد أن نوضح أمرًا مهمًا فيه. إذ لايكفي أن نتأول اشتمال الكتاب على معارف من سبقه من العلماء بمن فيهم الخليل على أنه أمر بدهي محمول على سنن النشوء والتطور، فلابد لنا أن نسأل: كيف تم ذلك؟ عندها نكون قد حفظنا للخليل فضله على سيبويه وعلى العلماء. وحفظنا فضل سيبويه عليهم وعلى الخليل.
إن منهج الخليل واحدًا من المناهج التي ظهرت في مرحلة نضوج العلم وتطوره، وكان ميل الخليل إلى هذا المنهج وما تهيأ له من بسطة فيه ينمّ عن ذكاء عالٍ وفهم متقدم لهذا العلم وظواهره، لكنه مع ما اتفق له من فضل، لم يستطع بسط منهجه على حساب المناهج الأخرى التي عاصرته أو ظهرت قبله، بل لقد درس على يديه عدد من العلماء كالكسائي؛ لكنه خالفه على مذهبه، بالمقابل نجد أن سيبويه تتلمذ على علماء كثيرين، كان الخليل أحدهم، كعيسى بن عمر وأبو الخطاب الاخفش ويونس
(1) سيبويه: إنباه الرواة: 2/ 375
(2) ينظر: سيبويه حياته وكتابه: 23.
(3) مراتب النحويين: 23.
(4) ينظر: سيبويه إمام النحاة: 98. وذهب الدكتور زهير عبد المحسن سلطان في رسالته للدكتوراه (المؤاخذات النحوية حتى نهاية المئة الرابعة الهجرية:20) إلى أن عدد ما أخذه سيبويه عن عيسى بن عمر بلغ (21) مرة فقط.
(5) الخصائص: 1/ 304.