فهرس الكتاب
بن حبيب، ولايخفى ما بين هؤلاء من اختلاف في النهج والنظر، لكنه تمثّل آراء شيخه الخليل تمثلًا عجيبًا، وكان أبرّ تلاميذه به، لم يحد عن منهجه، وقد قرن مسائله بما شاع من آراء لغيره، فبسط ورجّح مؤصّلًا لهذا النهج الذي اختطه الخليل، وإذ يستلهم سيبويه آراء العلماء لم يكن يقبل كل ما قيل أو يُقال، فثمت معيار لهذه الآراء التي تدخل الكتاب، وهذا المعيار لا يفرِّق بين آراء الخليل وآراء غيره، فهو إن وفِّق لرد بعض الآراء وتفنيدها فهو بما لايقبل الشك لم يرضَ منها إلا ماقد عرضه عل الميزان نفسه سواء أكانت لشيخه الخليل أم لغيره من العلماء، (( وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلل به ) ) [1] ، وقد مرّت بنا طائفة من أحكامه التي قضاها على الخلاف القائم بين يونس والخليل، وكان يرجِّح رأي يونس في مواضع منها [2] ، فضلًا عن رده الكثير من آراء شيخه الخليل، ولم يكن في ذلك بدعًا عن غيره من العلماء، إذ الخلاف سنّة بين الآراء حتى وإن كان أصحابها ينهجون نهجًا واحدًا، ولابد أن يكون أحدها مصيب والآخر مخطئ، فلا يُقضى بالعصمة لأحد في ذلك، وقد مرَّ بنا قول يونس في شيخه أبي عمرو بن العلاء: (( لو كان أحد ينبغي أن يؤخذ بقوله ... ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك ) ) [3] مع أن أبي عمرو هو صاحب هذا النهج فلم يقضِ السبق له بالعصمة، كما لم تقضِ (المتابعة) على يونس بالتسليم لكل ما يصدر عن أبي عمرو، فقد كان يأخذ من آراء شيخه مايراه حسنًا، ومالم يره كذلك تجاوزه بالنقد والخلاف، ولم ينف هذا الخلاف أنهما على نهج واحد، بل قضى بحالة من التكامل بين آراء الشيخين؛ كذلك الذي فعل سيبويه مع آراء الخليل، فلابد لنشوء المذاهب واتساعها من ذلك، ولابد أن يستوعب المذهب اجتهادات الأجيال المتعاقبة عليه، ولابد أن يكون لكل عالم من علمائه رأيه الخاص تاييدًا (متابعة) أو تفنيدًا (نقد وخلاف) .
لقد تعامل سيبويه مع آراء شيخه كما تعامل مع غيرها من الآراء على أساس أنها مما يُقبل أو يُرد، وإن كان أكثر تسليمًا لها مما سواها من الآراء، فلا غرو فهما ينهجان نهجًا واحدًا، ولابد أن تكون نسبة الوفاق بينهما أكثر مما لو كانت مع غيره من العلماء، وعلى هذا فمادة الكتاب لسيبويه تتألف من (( آراء شيوخه الذين درس عليهم مباشرة ونقل عنهم آراءهم وما نقلوه عن شيوخهم، ومن مناقشاته لهؤلاء الأساتذة ورده عليهم أو قبوله لآرائهم، وبحوثهم، ومن آرائه الخاصة التي تابع فيها شيوخه أو انفرد بها ) ) [4] ، إذ (( .. لم يكن له فضل الجمع وحده بل كان له فضل التصنيف والتبويب، والتعليل و الترجيح، والمناقشة والتفضيل بين الآراء، حتى صار الكتاب إمامًا للنحاة ودستورًا يستضيئون به، ويهتدون بهديه ) ) [5] .
(1) ينظر: ص 58 من هذا البحث.
(2) طبقات النحويين واللغويين: 35.
(3) سيبويه، حياته وكتابه:: 95، وانظر: أعلام في النحو العربي: 22.
(4) سيبويه حياته وكتابه: 84.
(5) ينظر: كتاب سيبويه (هارون) : 1/ 182، 304، 2/ 20، 3/ 98، 157، ونشأة النحو: 127، ونظرات في اللغة والنحو: 11.