فهرس الكتاب
وهكذا يتمّ لنا التفريق بين نصيب الخليل من الكتاب وجهد سيبويه فيه وإن كانت إمارات مذهب سيبويه تجري في حدود ما اختطه الخليل له في التعامل مع ظواهر اللغة، ويمكننا تلمّس إمارات هذا المذهب في ثلاثة جوانب؛ هي:
الجانب الأول: المنهج: اعتمد سيبويه في دراسته لمسائل النحو على منهج محدد ذو سمات بارزة، فأول ذلك أنه يُعنى بسلامة من أخذ عنهم من العرب المقطوع بعراقتهم في العروبة وصون فطرتهم اللغوية من تسرّب رطانة الحضارة إليها، وقد قصر سماعه على سكان البوادي ذوي السلائق المتوقحة، ولاثقة له بمن يجاور الأرياف منهم أو يتصل بها [1] . قال الدكتور شوقي ضيف: (( يجري سيبويه في السماع على الأساس الذي وضعته مدرسته كما رأينا عند ابن أبي اسحاق وعيسى بن عمر والخليل، وهو النقل عن القرّاء وعلماء اللغة الموثقين والعرب الذين يوثق بفصاحتهم ) ) [2] ، وقد أثبت الدكتور شوقي ضيف لسيبويه سماع مشافهة عن الأعراب. قال: (( .. إنه دخل بوادي نجد والحجاز، وإنه قيّد كثيرًا عن الأعراب، ويطفح الكتاب بما قيّده عنهم شعرًا ونثرًا. وكان موقفه من العرب دائمًا أن يسجل الصوّرة الشائعة على ألسنتهم في التعبير معتمدًا عليها في تقرير قواعده، ولم يكن يسجلها وحدها، بل كان يسجل دائما ماجاء شذوذًا على ألسنتهم، وهو ينعته تارة بالضعف وتارة بالشذوذ أو القبح أو الغلط، يقصد بذلك أنه يخالف القياس الذي ينبغي إتباعه ) ) [3] .
عنى سيبويه كذلك بوثاقة الرواية ومَنْ أخذ عنهم، فلا تجد في كتابه غير الحفظة والإثبات، كالخليل بن أحمد ـ وقد أخذ عنه (522) مرة ـ ويونس بن حبيب ـ وقد أخذ عنه (200) مرة ـ، وأبو الخطاب الأخفش ـ (47) مرة ـ، وأبو عمرو بن العلاء ـ (44) مرة، وعيسى بن عمر ـ (21) مرة ـ، وأبو زيد الانصاري ـ (9) مرات ـ، وهارون بن موسى القارئ (متوفى في حدود 170هـ) [4] ـ (5) مرات ـ، وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي ـ (4) مرات ـ وهذيل [5] مرة واحدة [6] ونقل عن بعض الكوفيين دون أن يصرّح بأسمائهم في أربعة مواضع؛ ثلاثة منها في القراءات [7] ومرة واحدة في الصرف [8] .
(1) المدارس النحوية (ضيف) :80.
(2) المصدر نفسه: 81.
(3) كان يهوديًا فأسلم، عالم بالعربية، روى له البخاري ومسلم (رحمهم الله تعالى) . ينظر: إنباه الرواة: 3/ 361.
(4) لم أقف على ترجمة له. ولعله هذيل بن عبد الله بن سالم بن هلال الأشجعي. شاعر ماجن هجّاء من أهل الكوفة. ينظر: الأعلام للزركلي: 9/ 72.
(5) ينظر هذا الثبت في: سيبويه إمام النحاة: 98.
(6) ينظر: كتاب سيبويه (بولاق) : 1/ 397، 1/ 430، 2/ 426. وسيبويه إمام النحاة: 96.
(7) ينظر: المصدر نفسه: 2/ 393.
(8) اثبت ذلك الدكتور أحمد مكي الانصاري في كتابه: (سيبويه والقراءات ـ دراسة تحليلية معيارية) وقد جعله على أربعة محاور: الأول: قضية المعارضة الصريحة للقراءات عند سيبويه.
الثاني: قضية المعارضة الخفية للقراءات عند سيبويه.
الثالث قضية التأويل في كتاب سيبويه.
الرابع: قضية موافقة كتاب سيبويه للقران الكريم.