فهرس الكتاب
وهذا محمول على الاستطراد والتوسع في عرض الشواهد، فضلًا عن أنه لم يصرّح بأسماء من أخذ عنهم، ولم يمنعه هذا الأخذ وهذه الموافقة من تضعيف روايات بعضهم الآخر والطعن في قراءات قرائهم [1] ، فاستنّ بذلك سنّة حرص البصريون المضي على هديها، أما ماأُشيع من أنها نزعة إنتزعها نحاة البصرة اللاحقين ولا يوجد في كتاب سيبويه شيء منها [2] ؛ فرأي لا أساس له، وقد أثبت البحث العلمي بما لايدع مجالًا للشك أن (( الذين بدأوا الطعن في القراءات بوجه عام هم البصريون لا الكوفيون، وإن كتاب سيبويه إشتمل على كثير من هذه المعارضات ) ) [3] .
ومن مظاهر تشدد سيبويه في أمر الرواية ورجالها ـ كما قلنا ـ أنه لم يأخذ عن علماء الكوفة إلا فيما سبقت الإشارة إليه، وحرص البصريون من بعده على هذه السنّة، فـ (( لا يُعلم أحد من علماء البصريين بالنحو واللغة أخذ عن أهل الكوفة إلا أبا زيد، فإنه روى عن المفضّل الضبّي ) ) [4] .
إن أهم ما ينماز به هذا المروي والمسموع هو الكثرة الفياضة التي تخوّل له القطع بنظائره وتسلّمه إلى الاطمئنان في نوط القواعد به، وإلا عُدّ مرويًا (يُحفظ ولايُقاس عليه) إلا إذا لم يُروَ من نوعه ما يخالفه فلا بأس من عدّه مبنيًا للتقعيد عليه، فلا غرابة بعدئذ أن يجعلها حكمًا على مايرد من كلام غير مكترث لماجاء مخالفًا له مما لاظهر له ولامثيل في كثرة الاستعمال والتداول. فهو بعد ذلك إما أن يؤّله تأويلًا يتفق وقواعده، وإما أن يستنكره، أو يلتمس فيه ضرورة إن كان نظمًا، وإلا حُفظ مع ما لايُقاس عليه من الشواذ [5] . وإن نهجًا يتعامل مع المسموع بهذا الشكل لابد أن يعتمد على سييل زاخر من هذا المسموع، وهذا أمر ليس بالهين. قال الزجاج: (( إذا تأملت الأمثلة في كتاب سيبويه، تبينت أنه أعلم الناس ) ) [6] . لقد مضى البصريون على أثر سيبويه في التعامل مع المادة المسموعة مستعينين بالقياس في تفريقه على الأبواب ونظمه في قواعد معلومة، قال الدكتور طه الراوي: (( وأجلى ما ينماز به مذهب البصرية، إبتناء قواعده على الأغلب الشائع من كلام العرب، وتحكيم المقاييس العقلية في الكثير من شؤونه، وإذا إصطدم أصل من أصوله بسماع غير مشهور، فُزع إلى التأويل والتوجيه، أو رمى المسموع بالشذوذ أو الندور، بل بالتخطئة أحيانًا ) ) [7] . وقال الدكتور أحمد مكي الأنصاري: (( كما أني لحظت شيئًا لم أر أحدًا قد تنبّه إليه، وهو أن مرد هذا ... يرجع إلى(القياس) ، فالمدرسة البصرية
(1) ينظر: المدارس النحوية (ضيف) : 80 - 81، والشاهد وأصول النحو: 51 ـ52.
(2) سيبويه والقراءات ـ دراسة تحليلية معيارية:14 ـ 15.
(3) نزهة الألباء:102.
(4) ينظر: الشاهد وأصول النحو: 417 ـ 422
(5) طبقات النحويين واللغويين: 72.
(6) نظرات في اللغة والنحو: 11.
(7) أبو زكريا الفرّاء: 359 ـ 360.