الصفحة 226 من 416

مدرسة قياسية تؤمن بالقياس وتحكّمه في كل شيء .. )) [1] ، ولم يكن قياس سيبويه كقياس غيره ممن تقدمه من علماء البصرة، بل كان ينهج فيه نهج شيخه الخليل الذي صححّ القياس، بعد أن جرّده بعضهم واتسع فيه بعضهم الآخر، وأصل القياس عند سيبويه وشيخه الخليل أن يُقاس على كلام العرب ما كان من كلامهم. قال المازني: (( كان أبو الحسن الأخفش يجيزأن يبني على ما بنت العرب وعلى أي مثال سألته إذا قلت له:(إبن لي من كذا مثل كذا) ، وإن لم يكن من أمثلة العرب، ويقول: إنما سألتني أن أمثل لك فمسألتك ليست بخطأ وتمثيلي عليها صواب. وكان الخليل وسيبويه يأبيان أن نقيس على هذا الحدّ من القياس وكانا يقولان: ما قيس على كلام العرب فهو من كلامهم، ومالم يكن في كلام العرب فليس له معنى في كلامهم فكيف نجعل مثالًا في كلام قوم ليس له في أمثلتهم معنى )) [2] ، ولذا كانت فلسفة سيبويه في القياس وأركانه محطّ إهتمام البصريين؛ إذ ينتهون عما إنتهى عنه سيبويه، ويعملون بما عمل به سيبويه وقد مضوا على سنته. قال إبن جنّي: (( لما كان النحويون بالعرب لاحقين وعلى سمتهم آخذين وبألفاظهم متحلِّين ولمعانيهم وقصودهم آميِّن جاز لصاحب هذا العلم [سيبويه] الذي جمع شعاعه، وشرع أوضاعه، ورسم أشكاله، ووسم أغفاله وخلج أشطانه، وبعج أحضانه وزمّ شواردة، وأفاء فوارده أن يرى فيه نحوًا مارأوا ويحذوه على أمثلتهم التي حذوا لاسيما والقياس إليه مصغ، وله قابل، وعنه غير متثاقل ) ) [3] .

الجانب الثاني: الأصول: لاشك أن أصول النحو ـ أي أدلته ـ من سماع وقياس واستصحاب حال ونحوها كانت قد استقرت قبل أن يتمذهب النحاة بمذهب معين، وكان أصحاب الاتجاهات الثلاثة أو المناهج الثلاثة التي سبقت في البصرة يلجأون إليها كلٌّ بحسب عقيدته اللغوية، إذ تتحدد طبيعة التعامل مع هذه الأدلة أو بها بموجب هذه العقيدة، فمنهم من كان يميل إلى تجريد القياس، ومنهم من كان يتسع فيه، ومنهم من كان يُعنى بظبطه وتصحيحه، كذلك فإن من هذا الاتجاهات من يتسع في السماع ومنهم من يحجره ومنهم بين هذا وذلك. وهذا يأتي تبعًا لتباين طبيعة التعامل مع هذه الأدلة من قبل علماء كل إتجاه. فأدلة العلم مشاعة؛ يمكن طرقها من قبل أصحاب المناهج المتعدده على إختلافها، لكن التعامل بها أو معها يكون بكيفية لابد أن تميّز هذه المناهج بعضها عن البعض الآخر، فالتعامل مع دليل القياس مثلًا يكون ترجمة حقيقية لعقيدة المجتهد الذي يستند إلى هذا الدليل، وهكذا بالنسبة لكل عالم ومع كل دليل، تُترجم هذه العقيد على شكل أصول تظبط نوع الاستدلال الذي تنضوي تحته، وبالتالي فان هذه الأصول هي التي تكفل لأصحاب هذه المناهج الاستقلالية التامة عن غيرها من المناهج، فإذا كانت أدلة العلم مشاعة للجميع فلا تُعبّر هذه الأصول والضوابط إلا على استقلالية نهج أصحابها.

(1) المنصف: 175.

(2) الخصائص: 1/ 308.

(3) سيبويه إمام النحاة:158 ـ 159

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت