الصفحة 227 من 416

إن الاتجاهات الثلاثة التي سبقت ظهور المذهبين البصري والكوفي لم يُكتب لأصولها ـ على بساطتها ـ السعة والبسط، وإن البحث عن الأصول في المسائل الخلافية بين المذهبين البصري والكوفي في كتي الخلاف قد لايجدي نفعًا لشحة هذه الأصول وقلّتها إلا ماكان للخليل منها، وقد هُدي إلى قدر صالح منها، بل أن قدرًا مما بُنيت عليه آراء سيبويه كان أساسها عقيدة الخليل بن أحمد.

ونحن إذ ننص على أن كتب الخلاف تعدّ المصدر الحقيقي لهذ الأصول بعدّها المحك المباشر لما كان يجري بين أصول المذهبين من جدل وخلاف، ومن هنا استسيغ التلويح بها ولولا ذلك ما كادت تظهر، لأن النحاة تعاملوا بها فهمًا بلا تقييد، ومع ذلك لايعني هذا أن كتاب سيبويه خلى منها أو أنه لم يُعنى بها، فكتاب سيبويه هو المصدر الأساسي لأصول المذهب البصري، مع أنه لم يفرد لها بابًا يخصّها وموضوعًا يُعنى بها، سائرًا في ذلك على نهج شيوخه، وعنه أخذ اللاحقون، فكتاب سيبويه ـ كمايرى الأستاذ علي النجدي ـ: (( يقدم مادة النحو الأولى، موفورة العناصر، كاملة المشخصات، لايكاد يعوزها إلا استخلاص الضوابط وتصنيع الأصول، على ما تقتضي الفلسفة المدروسة والمنطق الموضوع. وفرق بينه وبين الكتب التي جاءت بعد عصره كفرق مابين كتاب في الفتوى وكتاب في القانون. ذلك يجمع جزئيات يدرسها ويصنفها ويصدر أحكامًا فيها، والآخر يجمع كليات يصنفها ويشققها لتطبق على الجزئيات. ومعلوم أن لكل باب في كتاب، بل لكل مسألة في باب مقتضيات خاصة وطبيعة متميزة قليلًا أو كثيرًا، وإذًا لايُنتظر أن يُعالج سيبويه أبوب الكتاب ومسائل

الأبواب علاجًا واحدًا مطردًا )) [1] .

ومهما يكن من شيء فان أصول الكتاب ظهرت أم خفيت لم تجد ما يحول بينها وبين البصريين، فقد تسلحوا بها ضدَّ كل من يناهض المذهب أويناوئه، لكنها بقيت مبثوثه في مؤلفاتهم لاتدل عليها إلامسائل الخلاف، ويعود الفضل في إظهار الكثير من هذه الأصول وحصرها ضمن أدلتها لبعض الباحثين المحدثين كالدكتورعبد الرحمن السيد في كتابه (مدرسة البصرة: نشأتها وتطورها) [2] فقد لمّ شعثًا مما تفرق منها، وكان جملة ماذكر خمسة أصول مما اتفق عليه البصريون والكوفيون ثم ثلاثة أصول مما قال به الكوفيون ورفضه البصريون، وخمسة عشر أصلًا مما قال به البصريون ورفضه الكوفيون، وعرض الدكتور تمام حسان في كتابه (الأصول 00) عشرة أصول مما إتفق عليها البصريون والكوفيون، ثم عشرة أصول بصرية لايرضاها الكوفيون، وعشر أصول كوفية يرفضها البصريون [3] . وقد عنى الباحث مهدي صالح الشمري بهذه الأصول عناية ملحوظة، فزاد على ماأورده تمام حسان من الأصول المشتركة أربعة أصول، وزاد على الأصول البصرية التي لايرضاها الكوفيون أربعة وعشرين

(1) ينظر: المدارس النحوية (الورد) :27 ـ و30 ـ 38.

(2) ينظر: الأصول، دراسة أبيستيمولوجية للفكر اللغوي عند العرب، النحو، فقه اللغة:42 ـ 43.

(3) ينظر: الخلاف النحوي بين الكوفيين (رسالة) ـ على التتالي ـ: 39 - 40، 44 - 48، 40 - 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت