الصفحة 231 من 416

إن تجاوز النحاة لبعض المصطلحات التي جاء بها سيبويه لم يقصرعلى المصطلحات المترادفة، فقد تجاوز النحاة حتى بعض المصطلحات التي وضعها سيبويه على لفظ واحد، كتجاوزهم مصطلح (الحشو) الذي أطلقه سيبويه على صلة الموصول [1] . قال الزمخشري: (( والموصول لابدّ له في تمامه إسمًا من جملة تردفه من الجمل التي تقع في صفات ومن ضمير فيها يرجع إليه وتسمى هذه الجملة صلة ويسميها سيبويه الحشو ) ) [2] . وهذا تأكيد ماذهبنا إليه من أن وضع المصطلحات في النحو كعلم أعلق منه كمذهب، ولم يكن نصيب سيبويه من هذه المصطلحات ـ كما رأينا ـ إلا بقدر مساهمته في هذا العلم ونظره في مسائله. ومع هذا فان ما تهيأ لسيبويه من متابعة من قبل البصريين

من جهة المصطلحات فلأنها نُسبت إلى الكتاب الذي جمعها، ونقول بالجملة ـ بما قاله الدكتور شوقي ضيف ـ: (( إن الكثرة من المصطلحات النحوية والصرفية التي لاتزل شائعة على كل لسان في عصرنا كان لكتابه [أي سيبويه] الفضل الأول في إشاعتها وإذاعتها طوال العصور، وكأنه لم يترك للنحاة من بعده إلا مالاخطر له ... كأن يميزوا بعض المصطلحات أو يضيفوا مصطلحات جديدة

لغرض الدقة في التوضيح )) [3] .

هكذا ارتضى البصريون مذهب سيبويه (نهجًا وأصولًا، ومصطلحات) ولا أحسب أن عالمًا تهيأ له من الأتباع والأنصار كالذي تهيأ لسيبويه. وقد قُدِّر للائمة القدوات من بعده تتميم بعض المناحي ـ في المصطلحات مثلًا ـ والتعمق في بعضها الآخر ـ في التعليل مثلًا ـ فاستحال المذهب البصري (مذهب سيبويه) على مانراه اليوم. فإن صار مذهب سيبويه مذهب البصريين على عهده ومن بعده؛ فلأنه وفِّق إلى عطف معتقدهم اللغوي على وفق معتقد نفسه، فصار مذهبه وهو فردًا يمثل مذهب أتباعه وهم جماعة، ومع ذلك بقيت أخطاء سيبويه هي أخطاء نفسه، وليس على أتباعه شيء منها، إلا أن يروا نحو مارأى ويعتقدوا نحو ما اعتقد، عندئذ يكون التابع والمتبوع في الحكم سواء.

2ـ عند الكوفيين:

انتقل بعض البصريين النحاة إلى الكوفة واتخذوها دار إقامة، وأخذوا ينشرون النحو بين ظهرانيها، وكان في الطليعة من هؤلاء أبو جعفر الرواسي وعمه معاذ الهرّاء [4] . قال الدكتور مهدي المخزومي: (( ولانكاد نعرف في الكوفة نحويًا ـ بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ـ قبل الكسائي، ولكن القدماء ـ ولعلهم من الكوفيين ـ أبوا إلا أن يكون لهم نحو متميز قديم، أو أن يكون لهم ـ على الأقل ـ نحاة قبل

(1) المفصّل: 57.

(2) المدارس النحوية (ضيف) :61.

(3) ينظر: نظرات في اللغة والنحو: 8، ومدرسة الكوفة: 39.

(4) مدرسة الكوفة: 39 ـ 40.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت