الصفحة 232 من 416

الكسائي الذي أخذ عن البصريين. وقد ورد في كتب الطبقات أسماء لكوفيين زعموا أنهم كانوا من النحاة، وأن مدرسة الكوفة النحوية كانت قد بدأت بهم، ومن هؤلاء الذين ذُكِروا على أنهم من أوائل النحاة في الكوفة: معاذ الهراء، وأبو جعفر الرواسي )) [1] ، لذا فالدكتور مهدي المخزومي يرى أن النحو الكوفي بدأ على يد الكسائي وتلميذه الفرّاء. قال: (( وشرعت الكوفة ـ منذ أوائل القرن الثاني للهجرة تقريبًا ـ تُنشئ لنفسها مدرسة، وترسم لها منهجًا جديدًا، له طابع خاص، أملته على الدارسين بيئة الكوفة، ومناهج الدراسة التي نهجها القرّاء المحدثون. وأخذت هذه المدرسة تنهج لنفسها سبلًا جديدة، حتى تم لها الاستقلال في أواسط هذا القرن على يد علي بن حمزة الكسائي

وتلميذه يحيى بن زياد الفرّاء )) [2] .

إن الكسائي والفرّاء (( وجدوا البناء قائمًا مكتملًا والطريق معبدة مطروقة، فلم يكن أمامهم إلا أن يختاروا بين أمريين: أن يقبلوا النحو البصري كما تلقوه عن شيوخ البصرة ويقفوا من البصريين موقف التلاميذ متناسين الفارق بين النزعة البصرية العقلية والنزعة الكوفية النقلية، أو أن يكونوا أمناء على طابعهم النقلي فيخالفون على البصريين في بعض الأصول التي يأباها هذا الطابع، وفي الفروع والمسائل المبنية على هذه الأصول. لقد إختار الكوفيون طريق الاصالة والخلاف ) ) [3] .

أخذ الكسائي نحوه عن الرواسي ومعاذ الهراء وتحوّل عنهما لأنه لم يقنع بما لديهما ولم يكتفِ بما أخذه عنهما، وكان أمر النحو البصري وشهرة شيوخه قد ملأت أجواء الدرس النحوي في الكوفة، فعزم على الرحيل إليها لاستكمال ماعنده من مبادئ في النحو بمجالسة شيوخها والأخذ عنهم، فلزم حلقة الخليل يسمع ويدوّن ويناقش، فسأله يومًا وهو معجب بسعة إطلاعه وكثرة حفظه ووضوح مسائله وآرائه وتطورأصوله وأسسه: من أين أخذت علمك هذا؟ فقال الخليل له: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فترك حلقة الخليل على أن يعود إليها، ورحل إلى البادية يسمع ويحفظ ويدوّن [4] ، وكان يكفيه علم الخليل في ذلك، إلا أن خروجه إلى البادية كان تلبية لنازع ينزع في نفسه لا أراه إلا ذاك النازع الذي جعله يترك شيخيه من قبل الهراء والرواسي ويتحوّل عنهما إلى الخليل وعن الخليل إلى البادية، (( حتى انتهت إليه إمامة العربية في الكوفة، ولم يتقيد بمذاهب من سبقه في التأصيل والتفريع، ورسم للكوفيين الحدود التي أحتذوا أمثلتها وخالفوا فيها البصريين، فهو عند الكوفيين بمكانة الخليل عند البصريين، وعلى يده إنماز نحو الكوفة عن نحو البصرة ) ) [5] . قال أبو الطيب اللغوي: (( وكان عالم أهل الكوفة وإمامهم غيرمدافع فيهم أبوالحسن علي بن حمزة الكسسائي، إليه ينتهون بعلمهم، وعليهم يعوّلون في

(1) مدرسة الكوفة: 39.

(2) الأصول (لتمام حسان) : 36.

(3) ينظر: المدارس النحوية (الحديثي) : 182.

(4) نظرات في اللغة والنحو: 8.

(5) مراتب النحويين: 74.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت