الصفحة 233 من 416

روايتهم )) [1] . وقال ثعلب: (( أجمعوا على أن أكثر الناس كلهم رواية وأوسعهم علمًا الكسائي ) ) [2] . وقال أبوحاتم السجستاني: (( .. أعلم الكوفيين بالعربية والقرآن، وهو قدوتهم وإليه يرجعون ) ) [3] .

تخرّج على الكسائي تلاميذ، كان من أنبههم الفرّاء، عُرف بباعه الطويل في علوم العربية وتقدمه في فنونها. أما بداية الفرّاء فكانت كبداية شيخه الكسائي بصرية، كانا يحفظان عن الرواسي ومعاذ الهراء علم البصريين، لان تصوّر مبدأ المخالفة لدى الكسائي وتلميذه الفرّاء لم تستو بعد حتى يلمّوا بأصول البصريين أوعلى الاقل بقدركافٍ منها يمنحهم إمكانية الشروع بانشاء مذهب ندّ. وكان الكسسائي أول من بدأ بذلك، إذ عمد إلى مخالفة شيخيه كما تقدم [4] ، وهذا لم يكن يرضي شيخه الروسي الذي كان لايزال حيًّا. حدّث ثعلب عن الفرّاء قوله: (( لما خرج الكسائي إلى بغداد قال الرواسي: خرج الكسائي إلى بغداد وأنت أميز منه فجئت إلى بغداد، فرأيت الكسائي فسسألته عن مسائل من مسائل الرواسي، فأجابني بخلاف ماعندي، فغمزت قومًا من علماء الكوفة كانوا معي، فقال: مالك قد أنكرت؟ لعلك من أهل الكوفة. فقلت نعم. فقال: الرؤاسي يقول كذا وكذا وليس صوابًا، وسمعت العرب تقول كذا وكذا، حتى أتى على مسائلي فلزمته ) ) [5] ، فتابع الفرّاء شيخه الكسائي متممًا ما كان بدأه، فبرع وكانت له في نحو الكوفيين تقدمة، قال ثعلب: (( لولا الفرّاء ما كانت عربية، لأنه حصّنها وضبطها، ولولا الفرّاء لسقطت العربية، لانها كانت تُنازع ويدّعيها كل من أراد، ويتكلّم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب ) ) [6] . وقال الزبيدي عنه: (( وكان أبرع الكوفييين في علمهم ) ) [7] ، وقد عُرف بأنه (( أمير المؤمنين، في النحو ) ) [8] ، ونُظمت

القصائد في مدحه [9] .

لم يكن الفرّاء ولا الكسائي بدعًا من العلماء. فكلاهما مجتهد، وكان لابد لوجهات النظر أن تتفاوت نسبيًا فيها يخص الفروع، أما مايخصّ الأصول فهما على نهج واحد وأصول واحدة لا كما يظن بعضهم [10] ، وفي ضوء هذا الفهم يمكننا إدراك المعنى الذي يقف وراء عبارة أبي الطبيب اللغوي: (( وكان الفرّاء يخالف على الكسائي في كثير من مذاهبه، فأما على مذاهب سيبويه فانه يتعمد خلافه ) )

(1) المصدر نفسه: 74.

(2) المصدر نفسه: 74 ـ 75.

(3) ينظر: مدرسة الكوفة: 119.

(4) نزهة الألباء:50 ـ 51. وينظر: معجم الأدباء: 18/ 121.

(5) طبقات النحويين واللغويين:132.

(6) المصدر نفسه.

(7) نزهة الألباء: 83، ومعجم الأدباء: 20/ 13.

(8) ينظر: معجم الادباء: 18/ 110.

(9) كالدكتور أحمد مكي الأنصاري الذي يرى أن الفرّاء يمثل مذهبًا بنفسه يختلف عن مذهب الكسائي والكوفيين، وسيأتي تفصيل ذلك.

(10) مراتب النحويين: 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت