فهرس الكتاب
[1] ، وقد فرّق أبو الطيب في قوله بين خلاف الفرّاء للكسائي وخلافه لسيبويه بأن نعت الأول: (( في كثير من مذاهبه ) )، ونعت الثاني بـ (( يتعمّد خلافه ) )وفيه دلالة واضحة على أن الأول لا يشبه الثاني، ففي قوله الثاني لوّح بأن الفرّاء يُعلن خلافه على سيبويه بشكل مطلق. أما في قوله الأول فميّز خلافه للكسائي عنه بأنه ليس مطلقًا وإن كان (( كثيرًا ) )فهو نسبي، أما ما دعاه إلى أن يصف هذا الخلاف النسبي بين الكسائي والفرّاء بالكثرة ـ كما أرى ـ لأنه ضمّ إلى خلافهما في الفروع وقد صارا على مذهب واحد؛ ما كان بينهما من خلاف حين تحوّل الكسائي عن شيخه وشيخ الفرّاء الرواسي سابقًا، فخلافهما بهذا الوصف يكون كثيرًا، أما وقد صارا على مذهب واحد، فلم يختلفا إلا في الفروع، (( فاختلاف وجهة النظر عند الكسائي والفرّاء لا يمس وحدة المنهج العام، الذي رسمه الكسائي وسارعليه أتباع المدرسة [المذهب] الكوفية ) ) [2] ، بدليل أن أبا الطبيب نفسه يقول في ترجمة الفرّاء: (( وأما علماء الكوفيين بعد الكسائي فأعلمهم بالنحو أبو زكريا يحيى بن زياد الفرّاء، وقد أخذ علمه عن الكسائي وهو عمدته ) ) [3] ، وهذا يفسِّر ذاك. إذا فمخالفة الفرّاء للكسائي ليست كمخالفتهما لشيوخ البصرة، فهذه مخالفة نسبية وتلك مطلقة أو تكاد، ومع ذلك فإن الدكتور أحمد مكي الانصاري حمل هذا الخلاف النسبي المتعلق بالفروع ـ على محدوديته ـ على الخلاف المطلق حول الأصول جاعلًا من دعوى الفرّاء مذهبًا مستقلًا بنفسه؛ وجاعلًا الفرّاء رئيسًا لهذا المذهب، حتى أنه إختار له مصطلح (البغدادي) وأطلقه عليه لينماز عن مذهب البصريين بزعامة سيبويه، ومذهب الكوفيين بزعامة الرواسي وتلمذة الكسائي [4] . ولست في صدد مناقشة هذا الرأي، فسوف نوفيه حقه من النقاش لاحقًا؛ ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور حسن أسعد محمد ـ مدرس في معهد إعداد المعلمين بنينوى ـ تصدى للبحث في (معاني القرآن) للفراء، وقد جمع ردود الفرّاء فيه على النحاة ومخالفته لهم في بحث نشره في (مجلة آداب الرافدين) الصادرة عن جامعة الموصل [5] بعنوان: (آراء الفرّاء النحوية في مسائل خلافية من خلال كتابة معاني القرآن) فوجد أن مجمل ردود الفرّاء في كتابه الآنف على النحاة لم تتجاوز (34) مسألة، أما نصيب الكسائي منها فكان (14) مسألة فقط، وقد جمع هذا الباحث ردود الفرّاء على الكسائي في بحث مستقل نشره في أعداد المجلة اللاحقة، وهو بعنوان: (إعتراضات الفرّاء النحوية في معاني القرآن ـ على الكسائي) . أما في غير (المعاني .. ) فتكاد المؤلفات التي عنت بسيرة الفرّاء وشيخة الكسائي كمجالس ثعلب تكاد تردد مسائل هذا الخلاف نفسها أو تزيد عليه شيئًا يسيرًا [6] ،
(1) مدرسة الكوفة: 144.
(2) مراتب النحويين: 86.
(3) ينظر: أبو زكريا الفراء ومذهبه في النحو واللغة: جعل الدكتور أحمد مكي الأنصاري الفصل الأول من الباب الثاني من الكتاب في الحديث عن (مذهب الفراء النحوي) ، وانظر: 351 و357.
(4) العدد (35) لسنة: 1423هـ ـ 2002م.
(5) ينظر: مجالس ثعلب: 74، 78، 127، 259،260،312،387،478، 514.
(6) مدرسة الكوفة: 127.