الصفحة 235 من 416

وأغلبها إلّم يكن كلها لا تخرج عن الفروع، وحتى لو كانت هذه المسائل كلها حول الأصول فهي لم تبلغ حجم المسائل الخلافية بين البصريين والكوفيين إذا كان المُعتبر في نوع الخلاف حجمه لاجوهره. ولاجرم إن حُمل ذلك على تصحيح الأصول، فإذا (( كان الكسائي قد وضع أسس هذه المدرسة الجديدة، وجمع لها

مادة درسها، ورسم المنهج الذي يُعتمد عليه انشاؤها، فإن الفرّاء قد تكفل بإتمام البناء )) [1] . إذا (( كان الكسائي مشرّعًا والفرّاء منظمًا ) ) [2] .

إن الذي يجمع الفرّاء بالكسائي هو خط فكري مشترك، كُتب للكسائي أن يبدأ به وقضي للفرّاء أن يتمّه، وقد خالفوا به منهج البصريين وعقيدتهم وكثيرًا من أصولهم، وقيّضت لهما مدينتا الكوفة وبغداد أتباعًا أخذوا بتعاليم الشيخين، وامتثلوا آراءهم غاية ما يكون الامتثال، فشكّلوا بهما جبهة الندّ ضدّ البصريين. قال أبو بكر بن الانباري: (( لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلا الكسائي والفرّاء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس إذ انتهت العلوم إليهما ) ) [3] ، أما ما خالف الكوفيون به البصريين على يد الكسائي والفرّاء وانماز مذهبهم عنهم لأجل ذلك، فيمكن أن نحصره في ثلاثة جوانب:

الجانب الأول: المنهج: بنى الكسائي أسس مذهبه على منهج مغاير لمذهب سيبويه، ترتب على ذلك أنه استقل بأصول جديدة خلاف التي رأيناها عند البصريين، كما استقل الكوفيون على عهده ومن بعده بمصطلحات قلّما رددها البصريون. أما منهج الكسائي وتلميذه الفرّاء في التعامل مع الظاهرة النحوية فيعتمد مبدأ المخالفة للجوانب التي وجدناها لدى سيبويه، فأول ذلك أن الكسائي لم يلزم نفسه ـ بعد أخذه عن البصريين ـ بما ألزم سيبويه به نفسه من الأخذ عن العرب العاربة في كبد الجزيرة دون غيرهم، فما لبث الكسائي أن خلط ما سمعه عن البصريين بما لقنه عن عرب السواد والأرياف المجاورين لبغداد والحواضر. فقال فيه اليزيدي [4] :

كُنّا نقيسُ النحوَ فيما مَضَى ... على لسان العَرب الأوّلِ

فجاءَنا قوم يقيسوُنَه ... على لُغى أشياخ قُطْربُّلِ

فكلّهم يعملُ في نَقْض ما ... به يُصَاب الحقُّ لا يَأتَليِ

إنّ الكسائيَّ وأشياعه ... يَرْقونَ في النحوِ إلى اسفلِ

(1) المصدر نفسه: 152.

(2) نزهة الألباء: 83.

(3) ينظر: أخبار النحويين البصريين: 60 - 61.

(4) بغية الوعاة: 336

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت