فهرس الكتاب
إن الكسائي وإذ يعتدّ بلغة هؤلاء الأعراب ما كان ذلك إلا تطبيقًا لنزعته النقلية، ولاننسى أنه أحد القرّاء السبعة، لذا رأى أن يحترم كل ما جاء مسموعًا عن العرب، قال إبن درستويه: (( كان الكسائي يسمع الشاذ الذي لا يجوز إلا في الضرورة فيجعله أصلًا ويقيس عليه فافسد النحو ) ) [1] . ومن هنا بدأ في نحو الكوفيين كثير من الترخّص، فيجوز عندهم كثير مما لا يجوز عند البصربين. قال الدكتور طه الراوي عن مذهب الكوفيين جملة: (( أما مذهب الكوفية فلواؤه بيد السماع، لا يخفر له ذمّة، ولا ينقض له عهدًا، ويهون على الكوفي نقض أصل من أصوله، ونسف قاعدة من قواعده، ولايهون عليه إطراح المسموع على الأكثر ) ) [2] ، فالمذهب الكوفي الذي تأسس على يد الكسائي مذهب سماع يحترم المسموع ولا يهدره لأجل قلّته، وهم لذلك يأخذون عمّن أخذ عنهم البصريون؛ فضلًا عمّن أمسكوا عنهم، تمامًا كما فعل شيخهم الكسائي من قبل، ولذلك يمسك البصريون أن يأخذوا عن علماء الكوفة، لأن من يحكون عنهم ليسوا بحجّة عندهم. قال أبو الطيب اللغوي: (( وكذلك أهل الكوفة كلهم يأخذون عن البصريين، ولكن أهل البصرة يمتنعون من الأخذ عنهم لأنهم لا يرون الأعراب الذين يحكون عنهم حجّة ) ) [3] ، ترتيب على اختلافهم في تحديد موارد المسموع؛ اختلافهم في رواة هذا المسموع. فالكوفيون لايتصلبون في أمر الرواية كتصلب البصريين ولايتقيدون بما ألزم البصريون أنفسهم به، لذلك نرى البصريين يستخفّون برواية الكوفيين ويشزرون رواتهم فضلًا عن أن يأخذوا عنهم، إلا ماكان من أبي زيد الانصاري فإنه روى شيئًا عن المفضل الضبّي لثقته عنده [4] ، ولم يأخذ عن غيره. قال ياقوت الحموي: (( وقد أخذ اللحياني عن أبي زيد وأبي عبيده والأصمعي وعمدته على الكسائي وكذلك أهل الكوفة كلهم يأخذون عن البصريين، وأهل البصرة يمنعون من الأخذ عنهم، لأنهم لا يرون الأعراب الذين يحكون عنهم حجّة ) ) [5] . وهكذا اختلف سيبويه والكسائي في منهج النقل والتلقي، فهما إن اتفقا على مقياس الزمان لقبول المروي، فقد اختلفا في وثاقة الراوي وفصاحة المروي، وصار هذا نهجًا ثابتًا لدى أتباع كل مذهب، فـ (( البصريون لا يلتفتون إلى كل مسموع ) ) [6] كشيخهم سيبويه، و (( الكوفيون إذا سمعوا بيتًا واحدًا فيه جواز شيء مخالف للأصول جعلوه أصلًا وبوّبوا عليه ) ) [7] كشيخهم الكسائي. فكان حتمًا مقضيًا أن يسلك البصري في أصول مذهبه مسلك الشدة والمحافظة على المأثور، وأن ينهج الكوفي في أصول مذهبه طريق السهولة والرواية، ومن ثم اختلفت بُنى المذهبين وقواعدهما عندما لجأ كل منهما إلى
(1) نظرات في اللغة والنحو:11.
(2) مراتب النحويين:90.
(3) ينظر: نزهة الألباء: 102
(4) معجم الاباء: 14/ 108.
(5) الاقتراح: 129.
(6) المصدر نفسه.
(7) ينظر: نشأة النحو:150.