فهرس الكتاب
مبدأ القياس على وفق فلسفة المذهبين اللغوية، فاتخذ كل مذهب منها سبيلًا خاصّة عُرف بها حتى صار لكلٍّ طابع يخالف طابع الآخر، وكان من نتيجة ذلك ـ كما يرى الشيخ محمد الطنطاوي [1] ـ أمران:
الأول: إن ماكثر من الأمور الأربعة التي تخلفت عن القياس عند البصري بحسب المقتضيات من التأويل والشذوذ والاضطرار والاستنكار قد قلت عند الكوفي. قال ابن خالويه: (( والدليل على أن اللغة لاتُقاس، وإنما تؤخذ سماعًا قولهم الله مُتعال، من: تعالى، ولايُقال: متبارك، من: تبارك ) ) [2] .
الثاني: إن الاقيسة التي اعتمدها البصري في تدوين مذهبه على العكس من ذلك، فهي قليلة عنده بالنسبة إلى الاقيسة التي تكوّن منها المذهب الكوفي، ومن ثم قيل: إن مذهب البصريين مذهب السماع ... ومذهب الكوفيين مذهب القياس، ومثال ذلك أن سيبويه في (المسألة الزنبورية) [3] ، التزم وجه السماع، حين جوّز الكسائي فيها وجهي السماع والقياس معًا [4] .
قال الدكتور أحمد مكي الانصاري: (( من أثبت القياس للكوفيين نظر إلى أنهم يقيسون على الشاهد الواحد يسمعونه فيتخذونه أساسًا للقياس، ولا ريب أن مؤدى ذلك إنما هو التوسع في القياس على كل ماورد عن العرب مهما يكن مخالفًا للقاعدة العامّة التي وضعوها بأنفسهم من قبل، ومن هذه الزاوية جعلوا الكوفيين أصحاب القياس. ومن نفاه عنهم رأى أن قياسهم تنقصه أهم خصائص القياس المنطقي ... وهو اقتضاء العلّة للحكم وذلك أن القياس البصري ناشئ عن استقراء جزئيات كثيرة من الشواهد ـ ولو أنه استقراء غير تام إلا أنه استقراء على أية حال ـ يطمئنون بعده إلى وضع قاعدة كليّة يقيسون عليها المسائل الجزئية الأخرى إذا توفرت فيها علّة ذلك الأصل، بخلاف القياس الكوفي في جملته ) ) [5] .
الجانب الثاني: الأصول: لم يُعن الكسائي ولا الفرّاء بوضع أصول عامة يسيران عليها في ضبط
الاحتجاج بالأدلة النحوية التي بنوا عليها أحكامهم، وكما شُغل سيبويه في بسط المسائل وتشريع القوانين على الأبواب النحوية تناسبًا مع مابلغه علم النحو على عهده، كذلك شُغل الكسائي بتشريع منهج مذهبه الجديد، وتشاغل الفرّاء بعده باتمام هذا البناء، لكنه بادر إلى ضبط قوانين الأبواب في أصول كان صاحب السبق إليها، فـ (( منهج الفرّاء في تأليفه أنه يُعنى بوضع الأصول والقوانين العامة للظواهر اللغوية الأساسية، كما أنه يضع الأصول لأشتات الجزيئات من المسائل النحوية واللغوية بوجه عام ) )
(1) الحجة في القراءات السبع:201.
(2) عكس الدكتور مهدي المخزومي المسألة فقال: (( تمسك سيبويه بوجه الرفع لأنه القياس، وجوّز الكسائي النصب أيضًا، لأن السماع يعضده. ويبدو أن الأمر كذلك ) ). ينظر: الدرس النحوي في بغداد: 422.
(3) ينظر: نشأة النحو: 52 ومابعدها.
(4) ينظر: أبو زكريا الفرّاء: 362.
(5) المصدر نفسه:331.