فهرس الكتاب
ساكني بغداد ولا يميّز فيه بين أتباع المذهبين مادام معنى (المنهج) يُعبّر عنه بلفظ (البلد) [1] ، والملاحظ على هذا النص والذي قبله أن ابن جنّي ـ في النص الأول ـ فسّر لفظ (البغداديين) بالكوفيين، وجعلهما أبو بكر بن الانباري ـ في
النص الثاني ـ رديفين، وهكذا وجدت مثل هذه المبادرة قبولًا لدى علماء بغداد؛ أي من يُنسب إليها بالولادة والنشأة، فعدلوا عن مصطلح (البغداديين) إلى مصطلح (الكوفيين) وأطلقوه على علماء الكوفة الأوائل الكسائي وأصحابه، ثم عمموه على أتباعهم من علماء بغداد، بالمقابل ألحق أتباع البصريين في بغداد أنفسهم بالبصريين مع أنهم ينتسبون إليها (بغداد) دارًا وإقامة، وولادة ونشأة. وعلى هذا الأساس لم يدّعِ أحدٌ من أهل بغداد مذهبًا يُغاير مذهب البصرة أو الكوفة، وهم إن نسبوا أنفسهم إلى البصرة أو الكوفة ـ التي ربما لم يدخلوها ولاحتى رأوها ـ فهم لايريدون المصر بعينه، إنما يريدون منهج أهله ومذهبهم.
فهم أصحاب الطبقات والتراجمم هذا المعنى، فإن من أقوى الدلائل على نسبة العالم إلى هذا المذهب أو ذاك هو نسبته نفسه مع من يرضى أن يكون معهم كأحد علمائهم حتى وإن إتخذ أوضاعًا غير أوضاعهم أوعمد إلى مصطلحاتٍ من غير مصطحاتهم، ومتى عزّت هذه النسبة الصريحة وضن بها صاحبها؛ عُمد إلى نهجه وما يعتمد من أسس ومصطلحات فيُنسب بها إلى من يوافق مذهبه من هذين المذهبيين، ومن تصوّر أن عهد البصريين والكوفيين إنقضى بانقضاء عهد المبرد وثعلب لايتصوّر أن يكون لهذين المذهبين أتباعًا البتّة في بغداد أو في غيرها من الأمصار، ومن ذهب إلى ذلك فأمّا أنه يحأول أن يسلك هؤلاء العلماء ـ الذين أعقبوا زمن المبرد وثعلب ـ في مذاهب موهومة لم يقل بها مًنْ نُسبت إليهم، أو أنه يريد أن يلغي عنهم فكرة التمذهب بالمرة.
إن تقسيم العلماء ـ قديمًا ـ في كتب الطبقات والتراجم وإن كان جاريًا على أساس أوطانهم؛ فلم يغفل أصحاب هذه الكتب العلاقة بين المذهب وأتباعه، إلّم يكن الأساس في كثير منها يعتمد على نسبة العالم نفسه إلى أيٍّ من المذهبين. ومن أوائل هذه الكتب كتاب (الفهرست) لإبن النديم. جعل المقالة الثانية منه في أخبار اللغويين والنحاة، وقد قسّمها على ثلاثة فنون [2] ، خصّ الأول منها بنحاة البصرة، ثم الفن الثاني؛ وهو عن نحاة الكوفة، ثم أعقبه بالفن الثالث؛ وهو في (أسماء وأخبار جماعة من علماء النحويين واللغويين ممن خلطوا المذهبين) ذكر منهم: إبن قتيبة وأبي موسى الحامض والزجاجي وإبن كيسان وغيرهم [3] ، وكان إبن النديم في غاية الوضوح في التعامل مع هؤلاء، فهو وإن نعتهم بمن خلطوا؛ إلا أنه لم يعدّهم مذهبًا ولم يقل أنهم أصحاب نهج جديدغيرالذي عليه البصريون أوالكوفيون، ولكنه أراد أنهم تلمذواعلى شيوخ المذهبين بعد أن اجتمعا في مدينة بغداد.
(1) ينظر: الفهرست: 2/ 43 - 99.
(2) ينظر: المصدر نفسه: 2/ 86 - 92.
(3) ينظر: طبقات النحويين واللغويين: 119، 152، 153.