الصفحة 242 من 416

وإذا كان إبن النديم هو المتقدم في تقسيم العلماء إلى بصريين وكوفيين، وعلماء خلطوا بين المذهبين. فان أبا الطيب اللغوي لم يعرض لهؤلاء الخالطين؛ بالمرّة مع أنه أدركهم وعاش في زمانهم، فهو لايرى فيهم مذهبًا، ولامنهج واضح لديهم. أما الزبيدي وإن ذكر هؤلاء الخالطين لكنه ألحق كل واحد منهم بأستاذه [1] ، ولم يُفرد لهم طبقة كما فعل إبن النديم. نخلص بذلك إلى أن المفهوم من مصطلح (البغداديين) قديمًا هم نحاة الكوفة النازلين ببغداد، أما مَنْ يُنسبون إلى بغداد بالأصل والنشأة فهم النحاة الذين تلمذوا على ثعلب الكوفي البغدادي ـ وهو آخر من يُعدّ في الكوفيين ـ والمبرد البصري ـ وهو آخر من يُعدّ في البصريين ـ، وهؤلاء التلاميذ النحاة بحسب التراجم القديمة ينقسمون على ثلاثة أقسام: قسم ذا طابع بصري، وإن مزج [2] بيصريته شيئًا من نحو الكوفيين؛ كالزجّاج وإبن السرّاج والزجاجي وأبي علي الفارسي وإبن جنّي. وقسم ذا طابع كوفي، وإن مزج بكوفيته شيئًا من نحو البصريين؛ كأبي موسى الحامض وإبن الانباري. وقسم ثالث خلطوا بين مفاهيم المذهبين كإبن قتيبة وبن كيسان والاخفش الصغير. فالقسمين الأول والثاني لم يكونا ذا طابع بصري خالص أوكوفي خالص وقد أبديا ميلًا إلى أحد المذهبين مع مامزجوا. أما القسم الثالث فلم يلخصوا إلى مذهب بعينه لكثرة مأوقع لديهم من خلط، لكنهم في النهاية لايعدّون أنفسهم مذهبًا ولايريدون أن مااستقام لديهم من خلط يصلح لأن يكون مذهبًا بإزاء هذين المذهبين، فألحقهم الزبيدي في (طبقاته) بعلماء المذهبين حين تجاهلهم أبوالطيب اللغوي في (مراتبه) .

وفي يومنا هذا تردد إسم البغداديين في مؤلفات بعض المحديثن، وهم يريدون بهم جماعة من الدراسين يمثلون مذهبًا خاصًا لاهو بالبصري ولاهو بالكوفي، وإنما هو مذهب يقوم على الانتخاب من المذهبين كلاهما؛ نهض به دارسون تلمذوا على ثعلب الكوفي والمبرد البصري. لكن هذه الدراسات لم تستند إلى شيء من الواقع، لذا بقيت مجرد نظريات تفتقر في تطبيقها إلى الموضوعية والجدة والبحث العلمي السليم، فهي مجرد دعوات يستحيل تطبيقها، وسوف نتطرق إلى شيء منها على أساس أفكارها لاعلى أساس سبقها الزمني. وممن قال بوجود المذهب البغدادي الدكتور مهدي المخزومي في كتابه (مدرسة الكوفة .. ) فهو يرى أن المذهب البغدادي ليس إلا (( مذهبًا إنتخابيًا، فيه الخصائص المنهجية للمدرستين جميعًا ) ) [3] ، إذا فقد بنى الدكتور المخزومي أساس القول بوجود المذهب على الخصائص المنهجية المنتخبة من المذهبين، ومع أنه لم يوضح هذه الخصائص، ولم يقف على مفهوم الخلط والانتخاب الذي نبحث عنه. عاد فتراجع عن رأيه هذا في كتابه (الدرس النحوي في بغداد) ، وهو يريد بالبغداديين الكوفيين النازلين ببغداد، فقصر النحو على هذين المذهبين، وقصر هذين المذهبين على علماء البصرة والكوفة، وأنكر أن يكون لهم أتباعًا في الأمصار العربية

(1) لا أريد المزج بذاته، لان هؤلاء العلماء لم يقصدوا المزج لذاته حين وافقوا بعض آراء المذهب الآخر وهذه الموافقة هو مانعنيه بالمزج.

(2) مدرسة الكوفة: 70.

(3) ينظر: الدرس النحوي في بغداد: 155، 157، 158.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت