فهرس الكتاب
بعد القرن الهجري الرابع، ورأى أن الدرس النحوي في هذه الأمصار قام على مناهج شخصية
تلفيقية [1] . قال: (( .. هذا ما كانت عليه حال الدرس في بغداد طوال القرن الرابع للهجرة، ثم جاء في القرون المتعاقبة دارسون لم يلفوا من مصادر الدرس غير ما كان مكتوبًا، ولم يجدوا منها حتى ذلك الوشل الذي كان يقيت الدرس في أوآخر القرن الرابع، فآل أمر الدرس النحوي عندهم إلى أن يكون تكرارًا واجترارًا، وغُلِّقت الأبواب دون الابداع والابتكار، وتضاءل النتاج الأصيل، ولم يجد الدارسون ما يقدمون غير تلخيصات وشروح وهوامش وتعليقات. وصار الدرس النحوي عندهم تجميعًا وتلفيقًا، وصار التعمق في المصنفات يعني التعمق في القياس والتعليل والتأويل وجمد كل شيء وصارالدرس النحوي قوالب محفوظة، وعبارات متناقلة ... فمن التمحّل أن يُنسب هذا الدرس إلى مدرسة بعينها، وذاك الدرس إلى مدرسة أخرى بعينها، ومن التقعّر أن ينسب أبو البركات الانباري نفسه إلى البصريين، أو يسلك ابن الحاجب نفسه فيهم، أو يُعدّ ابن مالك من البغداديين أو فيمن خلطوا المذهبين، لأن نحو هؤلاء ومن على شاكلتهم إنما يمثل الشكل النحوي الذي لاينطوي على مضمون ) ) [2] . والعجب أن الدكتور المخزومي رضي أن يكون علماء القرن الرابع في بغداد وفي غيرها من الامصار أتباعًا للبصريين والكوفيين حين أنكر على من تلاهم تلك المتابعة، ولاأحسبهم أضافوا جديدًا إلى علم الأوائل إلا بقدر ما أضافه أسلافهم من بعد، فكيف يحجر المناصرة والمتابعة عن علماء القرن الخامس وماتلاه؟ ألأنهم لم يأتوا بجديد؟ وما الجديد الذي أتى به علماء القرن الرابع؟ وإذا كان ترديدهم لآراء الأوائل لايعدّ متابعة. فكيف تكون المتابعة إذًا؟. بعد ذلك لست أجد ما يسوّغ اخراج منسوب عمن نسب نفسه إليهم. وإن كان، فتحت أي اعتبار؟.
أما مَنْ أصرَّ على القول بوجود المذهب البغدادي فهم كثيرون، منهم الاستاذ طه الراوي فقد رأى أن المذهبين الرئيسين البصري الكوفي قد أنتجا مذهبين فرعيين هما: المذهب البغدادي والمذهب الأندلسي، فقال: (( وتخرّج بهؤلاء الكوفية جماعة من البغدادية، ولعوا بالتوسع في الروايات، والتباهي في الترخيصات، والتفاخر بالنوادر والطرائف، حتى ابتعدوا عن أصول أشياخهم، واستوى لديهم مذهب إنماز عن مذهب أسلافهم، عُرف بمذهب البغداديين ) ) [3] . ثم قال: (( وبينا الناس في هذا التسابق في المشرق، كان النشاط آخذًا مأخذه في بناء الدولة الاندلسية بالمغرب ... فكان من أثر ذلك أن أنجبت تلك المملكة نخبة من الأعلام، رجعوا إلى ماأصّله العراقيون ومافرعوه على إختلاف المذاهب، فاطالوا النظر فيه، ووقفوا على مابين تلك المذاهب من خلاف ووفاق، ومايستند إليه كل فريق من رواية ودراية فشقّوا لهم طريقًا سويًا، كان عمودهم فيه مذهب البصرية، لم ينحرفوا عنه إلاعندما يجدونه منحرفًا عن
(1) المصدر نفسه: 155 - 156.
(2) نظرات في اللغة والنحو: 9.
(3) المصدر نفسه: 9 - 10.