فهرس الكتاب
الرواية ومنهج الدراية )) [1] . ثم انتهى إلى القول: إن (( مذهب الاندلسية يرجع إلى البصرية ) ) [2] . ولايخفى ما في هذا الرأي من تناقض، فهو حينًا يرى أن الاندلسيين نظروا في المذاهب الثلاثة، وفي حين أخرى يقرر أنهم يرجعون إلى البصريين في كل شيء إلا أن ينحرف بهم المنهج عن ذلك، وفي ثالثة يرى أنهم شقّوا لأنفسهم طريقًا سويًا وصار لهم مذهبًا بموجبه. وهذا الوصف يقرب من وصفه لمذهب الببغداديين ـ مدار حديثنا ـ فهو لم يجزم هل أصحاب هذين المذهبين كانوا تابعين للمذهبين الرئيسين؛ أم أنهما مذهبين مستقلين؟ ففكرة المذهب التي أضفاها على هؤلاء الدارسين لاتكاد تتضح، فهل هو الخلط؛ أم هي المتابعه؛ أم هو الاجتهاد والمذهب؟.
ورأى الدكتور فتحي عبد الفتاح الدجنّي نحو مايرى الاستاذ الراوي، وقد ذهب إلى القول بوجود مذهب ثالث هو المذهب (البغدادي) له كيان خاص ووجود مستقل لكنه يرى أن أساس هذا المذهب يقوم على الخلط من المذهبين والانتخاب منهما، فهو إذا يقوم على أصول مشتركة. قال: (( نستطيع أن نحدد الاصول التي بنى عليها البغداديون نحوهم هي أصول مشتركة بصرية وكوفية وهي أصول زحفت صوب بغداد مع العلماء الذين جاءوا إليها، إما زائرين كسيبويه وإما مقيمين كالكسائي والفرّاء والسيرافي والمبرد وثعلب وغيرهم ) ) [3] . وقال: (( لما كانت الاصول النحوية لدى البغداديين تعود إلى النحو البصري والكوفي كان من الطبيعي أن يظهر المنهج النحوي لد البغدادين منهجًا مختلطًا ) ) [4] وعدّ هذا الخلط منهجًا وأنه مغاير لمنهج المذهبين الرئيسين. قال: (( وجد فعلًا في بغداد منهجًا(مغايرًا) للمدرستين السابقتين وهذا المنهج جديد لدارس النحو العربي وبخاصة أهل بغداد حيث رأوا مذهبين متباينين، فانتخبوا مأوافقهم من آراء. وبذلك كونوا لهم مذهبًا مميزًا )) [5] .وذهب الشيخ محمد الطنطاوي هو الآخر إلى القول بوجود هذا المذهب ورأى أنه يعتمد أساسًا على مبدأ الخلط كمنهج يقوم عليه. قال: (( إلتأم عقد الفريقين في بغداد، فنشأ المذهب البغدادي الذي عماده الترجيح بين الفرقين ) ) [6] . إذا فالشيخ الطنطاوي يتقف مع الدجنّي في أن أساس القول بوجود هذا المذهب هو الترجيج والانتخاب من آراء المذهبين، لكنهما اختلفا فيمن يصدق عليه هذا الوصف. أما الدجنّي فقد عدّ علماء بغداد بأجياله الثلاثة هم المنتسبون لهذا المذهب، وفيهم أبوعلي الفارسي وتلميذه إبن جنّي [7] فقال: (( ولذا نقرر أن معظم النحاة الذين أخذوا عن المبرد وثعلب هم نحاة بغداديون لأننا قد لحظنا في أثناء دراستنا لآرائهم النحوية أنهم أخذوا عن المدرستين كما انفردوا بآراء نحوية جديدة، لم تكن موجودة عند
(1) نظرات في اللغة والنحو: 11.
(2) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 324 - 325.
(3) المصدر نفسه: 325.
(4) المصدر نفسه: 331.
(5) ينظر: نشأة النحو: 136، وانظر: 170 - 184. ... ملاحظة / الهامش حجمه 12 اجراء وقتي
(6) ينظر: ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 336 - 337.
(7) ظاهرة الشذوذ في النحو العربي: 338.