الصفحة 245 من 416

كلتا المدرستين )) [1] . أماالشيخ الطنطاوي ـ مع أنه يقسّم علماء بغداد على ثلاث فئات: تابع للبصرين وتابع الكوفيين، وخالط بينهما [2] ، لكنه قصر هذا المذهب على الطائفة الثالثة منهم. قال: (( قد مرّ بك أن فترة من الزمن بعد تلاقي الفريقين في بغداد إختلفت فيها إتجهات العلماء إلى ثلاثة أنحاء. وقد تمايزت طوائفهم الثلاث تبعًا لاختلاف نزعاتهم، وكانت الطائفة الخالطة بين النزعتين البصرية والكوفية تزأول المذهبين، وتنظر فيهما نظرة غير مشوبة بالعصبية، فهي لابد واجدة رجحان هذا المذهب في مسائل وذلك المذهب في مسائل أخرى، وكان عمل هذه الطائفة منبهًا بعض معاصريهم إلى إستقراء ماصح من القوانين النحوية بدون التحيّز إلى فريق دون آخر؛ فجرَّ ذلك إلى الخلط بين المذهبين لاستخلاص مذهب منهما مرضي عنه عندهم ) ) [3] . فقصرالمذهب البغدادي على إبن قتيبة وإبن كيسان والاخفش الصغير وإبن شقير وإبن الخياط ونفطويه [4] .

وما وجدته عند الدكتور شوقي ضيف في كتابه (المدارس النحوية) ـ وهو من أكبر هذه الدراسات وأوسعها ـ لايبعد كثيرًا عما ذهب إليه هؤلاء الباحثون، فهو ممن يقول بالمذهب البغدادي، وإن هذا المذهب يقوم على منهج جديد هو منهج الخلط. قال: (( إتبع نحاة بغداد في القرن الرابع الهجري نهجًا جديدًا في دراساتهم ومصنفاتهم النحوية يقوم على الانتخاب من آراء المدرستين البصرية والكوفية جميعًا ) ) [5] . لكن الدكتور شوقي ضيف هو الآخر لم يفسر المراد من الأساس الذي قام عليه هذا المذهب. ومع ذلك أدخل تحت مظلته كل عالم ينتسب إلى بغداد بالأصل والنشأة مع إقراره بأن هؤلاء العلماء ـ على اختلاف أجيالهم ـ ذوي نزعات متباينة، فمنهم من يميل إلى البصريين ومنهم من يميل إلى الكوفيين، ومنهم من خلط بين المنهجين [6] ، لكنه كغيره من الباحثين سرعان مااصطدمت نظريتة التي لم يفسِّر معطياتها بالواقع، ويكفي أنه يصف الجيل الأول من علماء بغداد ـ أو المذهب البغدادي كما يذهب هو ـ فيقول: (( وكان من هذا الجيل من يغلب عليه الميل إلى الآراء الكوفية ومن يغلب عليه الميل إلى الآراء البصرية ) ) [7] ، فكيف ينتمي هؤلاء إلى مذهب واحد؟ ولو أنه ألحق أتباع كل مذهب بمن تبعوا لما لجأ إلى هذا التأويل المتكلف وقد آثر بموجبه تقديم ماتخيله عن هذا المذهب الموهوم على ماكان يجري على أرض الواقع، فهو يقرّ بأن الزجاجي ينزع (( نزعة بصرية قوية ) ) [8] أما (( أبوعلي الفارسي وتلميذه إبن جنّي .. كانا أشد منه نزوعًا إلى آراء المدرسة البصرية ) ) [9] ، لكنه يعدّهم

(1) ينظر: نشأة النحو: 170 - 176.

(2) المصدر نفسه:184.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 176.

(4) المدارس النحوية (ضيف) : 245.

(5) ينظر: المصدر نفسه: 7 و 245 وما بعدها.

(6) المصدر نفسه: 245.

(7) المدارس النحوية (ضيف) : 247.

(8) المصدر نفسه: 247.

(9) المصدر نفسه: 6 - 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت